الفصل الأول: "ندبة على الورق"
"انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!"
كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.
صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق.
الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة.
"دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"
نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور
"أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟"
تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين على المكتب وقربت من مريم بملامح مشوبة بالشفقة والجدية:
"يا مدام مريم، أنا مقدرة صدمتك، والله عارفة إن الكلام يجنن.. بس الأرقام والـ DNA مبيعرفوش المشاعر ولا بيكدبوا. الأسبوع اللي فات لما جيتي تعملي كشف وفحوصات روتينية للمدرسة، وفصيلة دم أحمد طلعت AB+ بينما أنتِ فصيلة دمك O-، أنا نفسي استغربت وقلت مستحيل علمياً ولد بالفصيلة دي يخرج من أم بفصيلتك. ساعتها قلت لك نعمل تحليل الحمض النووي عشان نقطع الشك باليقين ونشوف لو كان فيه غلط في معامل المستشفى زمان ونطمنك.. بس النتيجة قدامك اهي و بعد ما عيدناها لتاني مرة : نسبة الأمومة بينك وبين أحمد هي 0%."
وقف الزمن عند مريم. الدنيا كلها حركتها ببطء قاتل. صورة ابنها "أحمد" بوجهه الأسمر الصغير، وضحكته اللي بتملا عليها البيت، وعينيه السودا الواسعة اللي بتلمع بالذكاء.. كل ده مر قدام عينها في ثواني.
"يبقى اتبدل!"
صرخت مريم فجأة وهي بتقوم تقف، كرسي المكتب رجع لورا وصوته احتك بالبلاط بحادة. كملت بصوت متقطع ودموعها بدأت تنزل بحرقة:
"أكيد اتبدل يوم الولادة! المستشفى كانت زحمة، أنا فاكرة كويس يومها.. أنا اتخدرت بنج كلي عشان قيصرية طارئة، ولما فقت قالوا لي الولد في الحضانة محتاج أوكسجين قليل وسابوه هناك يومين.. أكيد الممرضات بدلوا الولاد بالغلط! أنا لازم أروح أبلغ البوليس، لازم أقوم الدنيا وما قعدهاش عشان أرجع ابني الحقيقي!"
أشارت لها الدكتورة سمر بإيدها عشان تهديها وسحبتها تقعد تاني بالراحة:
"اهدي بس يا مدام .. اهدي و اسمعيني كويس. أنا كنت فاكرة زيّك بالظبط إنها غلطة مستشفى وتبديل حضانات، وده اللي خلاني أطلب منك تجيبِي لي عينة من أظافر أو شعر جوزك 'شريف' من غير ما تحسسيه بحاجة، عشان نعمل تحليل يربط بينه وبين الولد ونشوف هل الولد ده ابنكم أنتم الاثنين واتبدل، ولا فيه حاجة تانية.. صح؟"
مسحت مريم دموعها بظهر إيدها بسرعة وجمعت أنفاسها بالعافية:
"أيوا.. ايوا صح أنا جبت لك العينة أمبارح.. النتيجة طلعت ؟ أصل شريف طبعاً هتطلع معاه النتيجة 0% هو كمان! صح؟ عشان الولد اتبدل وخلاص ونروح نتدور على ابننا!"
سكتت الدكتورة سمر لحظات، النظرة اللي في عينها كانت أثقل بكثير من أي كلام ممكن يتقال. سحبت مظروف أصفر تاني كان مستخبي تحت الملفات، وفتحته بهدوء، ثم حطته قدام مريم.
"ده تحليل الـ DNA الخاص بشريف وبأحمد..." قالت الدكتورة بنبرة غامضة ومحسوبة جداً.
سحبت مريم الورقة بسرعة، عينيها راحت فوراً على السطر الأخير، على النسبة المئوية المكتوبة بالبنط العريض. كانت متوقعة تشوف صفر كبير يجفف ريقها، لكن اللي شافته خلى جسمها كله يتجمد.
النسبة كانت بتأكد وجود صلة قرابة جينية حتمية.
"يعني إيه؟"
سألت مريم وهي بتهز رأسها بنفي هيستيري
"يعني إيه النسبة دي؟ يعني أحمد ابن شريف؟ إزاي؟! إزاي يكون ابنه من صلبه وهو مش ابني أنا؟!"
قربت الدكتورة سمر منها وقالت بصوت خفيض:
"التحليل مبيكدبش يا مريم.. أحمد فيه جينات واضحة جداً ومباشرة من شريف التقرير الطبي بيأكد إن فيه صلة قرابة وراثية قوية جداً بين شريف والولد، صلة تخليه مش غريب عنه أبداً ولا هو ولد من الشارع ولا تبديل عشوائي في مستشفى!"
سقطت الكلمات على دماغ مريم زي المطرقة. عقله رفض يستوعب.
"صلة قرابة؟ صلة قرابة إزاي؟"
صرخت مريم بذهول وصوتها بيتخنق.
"يعني شريف كان يخونني؟ يعني شريف اتجوز عليا أو خاني مع واحدة تانية وجاب منها طفل في نفس الوقت اللي أنا كنت فيه بالمستشفى بولد، ودخل عليا بالطفل ده واقنعني إنه ابني اللي بطني شالته؟! شريف يعمل فيا أنا كده؟! ده أنا سبت الدنيا كلها عشانه! ده أنا اتعالجت 5 سنين وبطني اتقطعت بالمشرط عشان أخليه أب!"
سكتت الدكتورة ومردتش، سابت مريم تفرغ الشحنة اللي جواها، لأن المعمل ملوش إنه يفسر العلاقات الإنسانية ولا الحكايات المستخبية ورا البيوت المغلقة؛ المعمل بيطلع أرقام وبس.
قامت مريم من العيادة وهي مش حاسة برجليها على الأرض. خرجت للشارع والشمس كانت حارقة، لكنها كانت حاسة ببرودة شديدة بتسري في عظامها. ركبت عربيتها، حطت المظروفين الأصفر والأبيض على الكرسي اللي جنبها، وقعدت تبص لهم وهي بتلهث.
الصور كانت بتعدي في دماغها زي الشريط السريع:
يوم ما فاقت من البنج في المستشفى، وشريف واقف جنبها ماسك إيدها وبيدمع، وبيقول لها:
"حمد الله على سلامتك يا مريم.. ربنا عوضنا بأحمد، الولد شبهي بالظبط يا مريم، شبهي سبحان الله!"
فعلاً.. أحمد كان نسخة مصغرة من شريف! نفس تدويرة الوش، نفس الحسنة الصغيرة اللي فوق حاجبه الشمال، نفس طريقة النوم وهو ضامم إيديه الصغيرين جنب خده!
"عشان كده كان شبهك يا شريف و مخدش مني حاجة واحدة ... عشان كده"
زمجرت مريم بالكلمات بين سنانها ودموعها بتنزل حامية على خدودها.
"عشان كده الشبه كان فظيع وما يخرش المية! لأن الولد منك أنت.. مش تبديل حضانات ولا نيلة! أنت دخّلت عليا ابن ست تانية، وخدعتني 5 سنين كاملين!"
شغلت العربية ودست على البنزين بكل قوتها. كان جواها نار بتاكل كل حاجة. الأفكار كانت بتضرب في عقلها زي الموج المتلاطم:
مين الست دي؟ جابه منها إزاي؟ طب ابنها هي الحقيقي فين؟ هل ابنها مات في الولادة و شريف استغل الفرصة عشان يلبسها ابن خيانته؟ ولا ابنها عاش وشريف رماه أو أداه لحد تاني عشان يحط ابن التانية مكان؟ طب ليييه!!
كل سؤال كان بيمزق معناه في قلبها. 5 سنين وهي بتصحى بالليل تغطي أحمد، تعمله أكله بإيدها، تحضنه لما يعيط، تقول له "أنا أمك يا حبيبي".. وفي لحظة، تكتشف إن كل القبلات والدموع والدعوات كانت لـ طفل غريب عنها، طفل جاي من جرح خيانة غائر زرعه جوزها في ظهرها!
وصلت مريم لعمارتهم. طلعت السلم خطوة بخطوة، إيدها ماسكة المظاريف بضغط خلى أطراف صوابعها تبايض. فتحت باب الشقة بالمفتاح.
كان البيت هادي. ريحة أكلها اللي طبخاه الصبح لسه مالية المكان. ألعاب أحمد صغيرة ومرمية على سجادة الصالة.. لعبته المفضلة، سيارة المطافي الحمرا، كانت مركونة جنب الكنبة.
في اللحظة دي، سمعت صوت حركة في المطبخ، وبعدها خرج "شريف".
كان لابس قميصه الخفيف، يفك زراير أكمامه وهو ابتسم أول ما شافها:
"مريم؟ حمد الله على السلامة يا حبيبتي، جيتي بدري يعني؟ أنا قلت أعمل لي كوباية شاي عقبال ما ترجعي أنتِ وأحمد من..."
سكت شريف فجأة.
ابتسامته اختفت تدريجياً لما شاف وش مريم. عينيها المتورمين من العياط، جسمها اللي بيترعش، والنظرة اللي في عينها.. نظرة خالية تماماً من الحب، مليانة كره وذهول.
"مريم؟"
قالها شريف بنبرة قلقة وهو بياخد خطوة ناحيتها.
"فيه إيه يا حبيبتي؟ مالك؟ أحمد جراله حاجة؟"
مريم رفعت إيدها بالبطيء الشديد، ورمت المظروفين الأصفر والأبيض على الترابيزة اللي بينه وبينها. المظروفين وقعوا بصوت جاف هز هدوء الصالة.
قالت مريم بصوت حاد، طالع من أعمق نقطة وجع في روحها، وهي بتبص في عينيه مباشرة بدون ما ترمش:
"أحمد ؟ و انا مالي بأحمد ... احمد مش ابني يا شريف.. التحليل ده بيأكد إن الولد مالوش أي صلة بيا.. بس الصدمة الكبيرة بقى، إنه ابنك أنت! طالع منك أنت! قول لي بقى يا سيد الرجالة يا محترم .. ابن مين ده اللي أنا بربيه بقالي 5 سنين على إنه ابني؟!"
تسمر شريف في مكانه، الدم هرب من وشه تماماً ولونه اتحول للرمادي، وعينيه اتوسعت برعب مشهود وهو بيبص للورق اللي على الترابيزة.. ثم بص لمريم، وحلقومه اتحرك بصعوبة كأنه بيبتلع زجاج مكسور!
يتبع ......
هستنى رأيكم فى الفصل بتعليق جميل منكم ❤️👇
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق