التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أم بالروح (الفصل الثالث)

 


الفصل الثالث : مرارة الحقيقة

ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة.


"سر إيه يا مريم؟"


قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها.

كملت وهي بتحاول تداري توترها: 


"أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..."


قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز:


"الولد مش ابني يا حاجة!"


قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر:


"التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا حاجة، بما إنك عارفة وشكلك مش متفاجئة اصلاً.. ابن مين ده اللي أنا ربيته وسهرت عليه وحبيته أكتر من نفسي؟!"


بصت الحاجة صفاء لابنها شريف بعينين مذهولتين. شريف كان لسه بركبه على الأرض، راسه بين كفيه، وكتافه بتهتز مع كل شهقة بكاء مكتومة وموجوعة.

"شريف.."


 قالت الحاجة صفاء بصوت واهن، كأن الحيل اتسحب منها مرة واحدة: 


"هي.. هي عرفت إزاي؟"


الجملة البسيطة دي من حماتها كانت زي الرصاصة الأخيرة اللي قضت على أي أمل فاضل في قلب مريم. العيلة كلها كانت عارفة! الكل كان مشترك في اللعبة دي، والكل اتفق يفضلوا حابسين مريم في عتمة الكذبة خمس سنين!


"انطق يا شريف!"


 صرخت مريم وهي بترجع لورا خطوة، كأن الأرض تحت رجليها بتهرب وتتحول لنار.


 "انطق قول الحقيقة بدل ما أخرج من الباب ده على أقرب قسم شرطة أبلغ عنكم كلكم بتزوير نسب وتبديل طفل بواحد تاني!"


رفع شريف راسه فجأة. وشه كان أحمر، وعينيه وارمة ومليانة دموع غزيرة. النظر في وشه مكنش بيظهر ملامح خاين أو مجرم مغرور، بل ملامح راجل محطم، عاش خمس سنين شايل جبل من الرماد فوق صدره.


"مش خيانة يا مريم!" 


صرخ شريف بصوت ممزق وهو بيزحف على ركبه مسافة صغيرة ناحيتها: 


"والله العظيم ما خيانة! ولا عرفت ست غيرك ولا دخلت حياتي ست غيرك! وحياة أحمد.. وحياة كل لحظة وجع عشتيها.. اسمعيني للأخر وبعدها اعملي اللي أنتِ عاوزاه!"


مسحت مريم دموعها بقسوة وقالت وهي بتلهث:


 "انطق.. قدامك دقيقة واحدة!"


وقف شريف بصعوبة، وسند إيده على الكنبة، وبص للأرض وقال بنبرة خافية شايلة كل أوجاع الماضي:


"فاكرة اليوم ده يا مريم؟ من خمس سنين.. لما دخلتي أوضة العمليات في مستشفى السلام؟ فاكرة الأيام اللي قبلها لما كنتِ بتبكي كل ليلة وتدعي ربنا إنه يرزقك بطفل بعد علاج وسنين حرمان؟ كنتِ متدمرة نفسياً، وكل أملك في الدنيا إنك تسمعي كلمة 'ماما'.."


سكت شريف ثواني، وبلع غصته المرة وأكمل:


"في نفس اليوم ده.. في نفس الساعة واللحظة.. كانت أختي 'سارة' الله يرحمها بتولد في نفس المستشفى.."


اتسعت عينين مريم بذهول:


 "سارة؟! سارة أختك اللي قولتولي إنها سافرت الخليج من زمان ومقطوع اخبارها؟!"


ردت الحاجة صفاء بصوت واطي ودموعها بتنزل لأول مرة:


 "سارة هربت زمان يا مريم.. غلطت مع واحد وضحك عليها، ولما رجعت لنا كانت حامل في الشهر السابع.. خبيناها عن عين الناس كلها عشان الفضيحة، ولما جالها التعب بتاع الولادة جت مع شريف المستشفى في السر تحت اسم مستعار.."


تجمعت الدموع في عينين شريف من جديد وهو بيفتح السر اللي خنقه سنين:


"سارة دخلت تولد وفي نفس الوقت أنتِ كنتِ جوة بتولدي قيصرية طارئة.. الدكاترة خرجوا لي بوشوش سودا يا مريم قالوا لي إن العملية بتاعتك كانت معقدة جداً، وأن الرحم اتعرض لنزيف شديد واضطروا يشيلوا أجزاء منه عشان ينقذوا حياتك، وقالوا لي باللفظ كده : 'مدام مريم للأسف مش هتقدر تخلف تاني أبداً.. والجنين للاسف نزل ميت'!"


شهقت مريم، وحطت إيدها على بقها. الهواء كأنه اتسحب من الأوضة.


"ابني.. ابني انا مات؟"


 زمجرت مريم بالكلمات وهي بتهز راسها بنفي هيستيري


"ابننا مات يا مريم.."


 بكى شريف بحرقة وأكمل:


 "وفي نفس اللحظة اللي الدكتور كان بيكلمني فيها، خرج دكتور تاني من أوضة سارة.. وقال لي إن سارة أختي جات لها جلطة مفاجئة وهي بتولد وماتت! سابت طفل صغير يتيم، ملوش أب معترف بيه، ولا أم حية ترعاه.. طفل لو سبته كان هيروح ملجأ أو يترمى في الشارع!"


وقف الزمن عند مريم. الصدمة كانت أكبر بكتير من قدرتها على الاستيعاب


"كنت واقف في النص يا مريم.." 


كمل شريف بصوت مبحوح وإيدين بترتعش:


 "بين إيديا جثة أختي الوحيدة، وجثة ابني الميت.. وجوة في الأوضة مراتي وحبيبتي اللي بين الحياة والموت، اللي لو فاقت وعرفت إن ابنها الوحيد مات، وإنها عمرها ما هتحمل تاني ولا هتمسك طفل في إيدها، كانت هتموت من الصدمة أو تتجنن! الدنيا اسودت في وشي.. وقفت مش عارف أعمل إيه. أختي ماتت ودمها في رقبتي، وابني راح، وأنتِ حياتك ونفسيتك هتدمر!"


سكت شريف و بص في عينين مريم بدموع الرجاء:


"في اللحظة دي.. مش عارف ده الهام من ربنا و لا شيطاني هو اللي وزني .. مش عارف كان صح و لا غلط .. مش عارف! بس الفكرة جت في دماغي. أخدت أحمد .. طفل أختي اليتيم اللي ملوش ذنب، وحطيته في الحضّانة مكان ابننا الميت.. ودفنت ابننا الحقيقي في سكوت من غير ما أقولك. قلت أنقذ روحك من الكسرة، وأدي لأحمد أم تحميه وتربيه بدل ما يضيع.. أحمد ده ابن أختي الميتة يا مريم، وأنتِ أمه اللي أحيتيه وعشتي عشانه!"


سقطت مريم على الكرسي. عقلها كان بيدور في حلقة مفرغة من الفجيعة:


ابنها الحقيقي مات ومودعتهوش..

رحمها اتأذى ومش هتقدر تخلف تاني..

وأحمد.. الطفل اللي غمرته بحنانها خمس سنين، يطلع يتيم سابته أخت جوزها الميتة!


"ليه؟"


 سألت مريم بصوت خافت مكسور، ودموعها نازلة بكثرة على وشها: 


"ليه مقولتليش لما فقت؟ ليه سيبتني عايشة في كذبة 5 سنين؟ ليه حرمتني أدفن ابني بإيدي يا شريف؟!"


نزل شريف على الأرض عند رجليها، ومسك أطراف فستانها وهو بيبكي بكسرة:


"خفت يا مريم! خفت أقولك ف تتصدمي وتضيعي مني ومنه.. خفت تكرهي الولد أو تشوفي فيه الفضيحة! كل يوم كان بيعدي وأنا شايفك بتحبيه وهو بيموت فيكي، كنت بقول 'الحمد لله.. ربنا عوضها وعوض الولد'.. أنا غلطت إن الخوف عليكِ خلاني أداري، بس والله العظيم ما كان قصدي أخدعك ولا أوجعك.. أنا كنت بحاول ألملم اللي بيضيع مننا!"


في اللحظة دي، اتفتح باب الأوضة ببطء.. وخرج منه أحمد الصغير. كان ماسك لعبة سيارة المطافي الحمراء في إيده، وبص لأبوه وأمه وهما بيبكوا ببراءة توجع القلب.

قرب أحمد بخطواته الصغيرة ناحية مريم، وحط راسه الصغير على ركبتها وقال بصوته الرقيق:


"ماما.. أنتِ بتعيطي ليه؟ أنا سمعتك.. هو أنا مش ابنك يا ماما؟"


تسمرت مريم مكانها. بصت لوش الطفل البريء، ورأت فيه كل البوسات، والدعوات، والليالي اللي سهرتها جنبه وهو تعبان.. ورأت فيه كمان أخت جوزها الميتة اللي سابته وحيد في الدنيا.

رفعت مريم إيدها المرتعشة.. وبدأت صوابعها تلمس شعر أحمد بالتدريج


و كلامها الجاي هو اللي هيقرر حياة كاملة ليها و للطفل ..


يتبع .....

هستنى رأيكم فى الفصل بتعليق جميل منكم ❤️👇

لمتابعة القراءة

أم بالروح 4 و الاخير

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...