الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير"
وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك.
حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة.
"مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"
قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها
"تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!"
"خليك مكانك .. إياك تقرب مني!"
صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من نار.
رفعت مريم إيدها وشارات على الظرفين:
"افتح الورق يا شريف! افتحه واقراه بعينك بدل التمثيلية الرخيصة دي! أنا لسة جاية من معمل التحاليل دلوقتي، النتيجة قدامك اهي بالختم والأسماء والـ DNA. أحمد مالوش أي صلة جينية بيا .. نسبة الأمومة صفر! لكن النسبة معاك أنت مثبتة إن فيه صلة قرابة جينية مباشرة وقوية جداً بينك وبينه!"
ساد الصمت في الشقة، صمت تقيل يخنق. شريف مد إيده المرتعشة وسحب الورق. بدأ يقرا السطور، عينيه بتتنقل بين الأرقام والمصطلحات الطبية المكتوبة بالإنجليزية. كانت مريم بتبص على تفاصيل وشه بكل دقة؛ بتراقب هزة جفنه، طريقة بلع ريقه، الضغطة اللي بيضغطها بصباعه على حافة الورقة. كانت بتدور على أي إشارة تثبت إنه مظلوم، بس كل حركة فيه كانت بتقول إنه عارف!
"الـ.. المعمل ده نتايجه غلط يا مريم، أو الأجهزة بتاعتهم فيها حاجة مش مظبوطة!"
قال شريف فجأة وهو بيحاول يجمع شتات نفسه، ويرفع عينه ليها بنظرة هجومية
"و بعدين أنتِ إزاي اصلاً تروحي تعملي تحليل زي ده من ورايا؟ إزاي تشكي فيا وفي ابنك بالشكل ده؟ أنتِ متخيلة يعني إيه تتهمني إني خنتك وجبت عيل من الشارع لبستهولك؟! أنتِ عقلك جراله إيه؟!"
ضحكت مريم.. ضحكة مكسورة مليانة مرارة و وجع، وهزت رأسها بأسى:
"كنت عارفة إنك هتسيب الاساس و تمسك في 'إزاي تعملي كده من ورايا'! بتهرب يا شريف.. بتهرب زي عادتك لما تتزنق! المعمل اللي بتقول عليه ده معمل كبير ومعتمد، و التحليل عملته بدل المرة اتنين ودكتورة التحاليل نفسها هي اللي طلبت التحليل الثاني لما لقيت فصيلة دم الولد مستحيل تطلع من فصيلة دمي علمياً! فصيلة دمي O- وفصيلة أحمد AB+.. تعرف يعني إيه دي في الطب يا استاذ؟ يعني مستحيل أكون أمه حتى لو الأجهزة كلها اتجننت!"
انعقدت حواجب شريف، وشفتيه اتفتحت سنة صغيرة بدون ما يخرج منها صوت. الكارت الطبي ده قفل عليه منفذ الهروب الأخير.
"شريف.."
قربت مريم منه خطوة، وعينيها بتثقب عينيه بدون رحمة
"أنا مش عيلة صغيرة هتضحك عليها بكلمتين وهجوم دفاعي. التحليل ده معناه حاجة من الاثنين ملهمش ثالث: يا إما أنت خنتني مع ست ثانية وجبت منها الولد ده ورميته في حضني يوم ولادتي وأنا غايبة عن الوعي تحت البنج في المستشفى وشيلتني ابن خيانتك.. يا إما ابننا الحقيقي عاش وأنت أديته لحد ثاني وجبت ده مكانه! بس ليه معرفش و مش عايزة اعرف ... كل اللى عيزاه دلوقتي انك تقولي الحقيقة يا شريف.. ابني فين؟ وأحمد ده ابن مين?!"
هز شريف رأسه بنفي هيستيري، ورمى الورق على الترابيزة بغضب:
"والله العظيم ما خنتك! والله العظيم ما عرفت ولا هعرف ست غيرك في حياتي! أنتِ بتفكري إزاي يا مريم؟ إزاي تهوني عليكي نفسك و يهون عليكي اللي بينا وتقولي عني كلام زبالة زي ده؟!"
"أومال أحمد ده ابن مين؟!!"
صرخت مريم وهي بتضرب بكتفها في الهواء من شدة الحرقة
"ابن مين يا شريف؟! انطق! هتجنن! انطق وقولي إزاي طالع من صلبك ومش طالع مني؟!"
انهمرت الدموع من عين شريف فجأة، ووقع على الكنبة اللي وراه وسند رأسه بين إيديه الاثنين. كان منظر راجل مكسور وبيعيط، بس مريم المرة دي مكنتش حاسة بأي شفقة ناحيته؛ الشك كان زي الأسيد بياكل في قلبها.
"مريم.. صدقيني، أنتِ فاهمة غلط.."
قال شريف بصوت مخنوق من بين إيديه
"أنا مش خاين.. والله ما خنتك."
"أومال إيه؟"
سألت مريم بنبرة أهدى، بس أشد خطورة
"لو مش خيانة.. يبقى فيه سر أنت مخبيه عليا بقالك 5 سنين. فيه لعبة أنت و امك لعبتوها عليا يوم ما كنت بين الحياة والموت في أوضة العمليات. قولي السر ده دلوقتي يا شريف.. لأنك لو ما نطقتش، أنا هاخد الورق ده وبكرة الصبح هكون واقفة بيه قدام النيابة ، وهطلب فتح تحقيق في واقعة ولادتي في المستشفى، وهطلب تتبع نسب أحمد رسمياً!"
رفع شريف رأسه بسرعة، والرعب الصريح كان باين في عينيه المدمعة المرة دي
"نيابة؟! أنتِ اتجننتي يا مريم؟! عاوزة تفضحينا وتفضحي الولد؟ عاوزة تسحبي أحمد من حضنك للمحاكم "
"ده مش ابني!"
صرخت مريم وهي بتبكي بقهر
"أنا قلبي بيتفحم يا شريف! أنت فاهم يعني إيه أكتشف في لحظة إن الطفل اللي ربيته وسهرت عليه ليالي و بقى كل حياتي بقالي 5 سنين مش من بطني؟ يعني إيه أحس إن كل لحظة أمومة عشتها كانت كذبة كبيرة ومؤامرة؟ أنت دمرتني! دمرت كل حاجة حلوة كانت بينا!"
قعدت مريم على الأرض جنب الترابيزة، غطت وشها بإيديها وبدأت تبكي بانهيار كامل. البكاء اللي كانت حابساه من لحظة ما خرجت من المعمل انفجر مرة واحدة. كان جسمها كله بيهتز مع كل شهقة.
شريف نزل من على الكنبة وقعد جنبها على الركبتين، حاول يمسك كتفها، بس هي بعدت عنه بقسوة.
"مريم.. اسمعيني بس، أرجوكي اسمعيني.."
قال شريف بنبرة التماس توسلية
"أنا عارف إن الصدمة كبيرة، وعارف إن التحليل شكله مرعب.. بس وحياة أحمد عندك، وحياة كل لحظة حلوة بينا، الولد ده ابننا.. أنتِ أمه الحقيقية بالتربية والحب، ومفيش ست ثانية دخلت حياتي ولا هتدخل .. سيبيني بس يومين.. يومين اثنين بس وأنا هفهمك كل حاجة بالراحة، هفهمك السر اللي أنتِ مش قادرة تستوعبيه دلوقتي من غير ما نخرب بيتنا ونبهدل أحمد."
رفعت مريم وشها، وعينيها المبتلتين بالدموع كانت ثابتة عليه ببرود يخوف:
"يومين؟ فاكرني هسيبك يومين عشان تظبط ورقك وتلاقي لك كذبة جديدة تلبسهالي؟ لا يا شريف.. أنا مش هقعد لحظة في البيت ده ولا هسيبك لحد ما أعرف الحقيقة."
في اللحظة دي، اتفتح باب الشقة الخارجي بالمفتاح، ودخلت "أم شريف" و أحمد وهو شايل شنطته المدرسية الصغيرة على ظهره، ومسك إيد "الحاجة صفاء".
"السلام عليكم يا أهل البيت!" قالت الحجة صفاء بنبرة ودودة و طيبة ، وهي بتدخل الصالة
"إيه ده؟ مالكم قاعدين على الأرض كده ليه؟ وفيه إيه صوتكم كان جايب لآخر الشارع؟حتى الولد محدش راح ياخده من الحضانة لحد ما كلموني انا اروح اخده"
أحمد الصغير، أول ما شاف مريم على الأرض، ساب إيد جدته وجري عليها بضحكته البريئة:
"ماما! ماما أنتِ بتلعي؟ (بتلعبي)؟"
اتسمرت مريم في مكانها. عينها راحت فوراً لوش الطفل.. الشبه الصارخ بينه وبين شريف، وتدويرة وشه اللي شبه عيلة شريف كلها. بصت للحجة صفاء اللي كانت واقفة تبص للمظروفين المرميين على الترابيزة بنظرة غريبة، نظرة لمحت فيها مريم حاجة مرعبة.. لمحت في عين حمتها رعب مكتوم ومفاجئ، كأنها عرفت فوراً الورق ده إيه من غير ما تقراه!
ضمّت مريم أحمد لحضنها بالرغم عنها، ودموعها نزلت على شعره الصغير.. كانت حاسة بمشاعر متضاربة هتقطع قلبها نصين: حب ملوش نهاية للطفل اللي كبر في أحضانها، وغل قاتل من السر الأسود اللي العيلة دي خبته عليها.
رفعت مريم عينها للحجة صفاء وقالت بصوت مسموع وواضح:
"أهلاً يا ماما .. كويس إنك جيتي .. في وقتك بصراحة أصل ابنك كان بيحاول يفهمني سر خطير، ويمكن أنتِ تعرفي تساعديه في الشرح!"
يتبع .....
هستنى رأيكم فى الفصل بتعليق جميل منكم ❤️👇
لمتابعة القراءة

قصة جميلة وشيقة
ردحذف