التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قبل الطلاق بسبعة أيام ( كاملة )



"فاضل أسبوع على طلاقي... والنهارده عرفت إن جوزي رايح يشوف عروسة."


وقفت مكاني وأنا ماسكة كوباية القهوة.


يمكن سمعت غلط.


يمكن كانوا بيتكلموا عن حد تاني.


لكن صوت حماتي كان واضح.


"البنت محترمة، وبنت ناس، والفرح ممكن يبقى بعد الطلاق على طول."


ضحكت... غصب عني ضحكة مالهاش أي علاقة بالفرحة.


أنا أصلًا اتجوزته بعقد لمدة سنة و إحنا الاتنين اللي حددنا معاد النهاية.


يبقى زعلانة ليه؟

 و بعدها دخلت الصالة كأني مسمعتش اي حاجة.



.........


يوسف كان لابس قميص أبيض وواقف قدام المراية بيظبط الساعة.


أول ما شافني، قال وهو بيبتسم:


"صباح الخير."


ابتسمت بالعافية.


"صباح النور."


أخد كوباية القهوة من إيدي.


"إيه؟ شكلك نمتي متأخر."


"شوية."


و بعدها قعدنا على السفرة نفطر .


"هتتأخري في الشغل النهاردة؟"


"لأ العادي"


ولا كلمة زيادة.


ولا كلمة أقل.


اتعودنا على كده من أول الجواز.


احترام.


هدوء.


حدود.


يمكن دي كانت المشكلة.


...


فلاش باك من سنة...


"مستحيل."


كانت أول كلمة خرجت مني.


يوسف كان قاعد قدامي في مكتب المحامي، ومش رافع عينه من الأرض.


المحامي قال بهدوء:


"اسمعوا بعض الأول."


بصيت ليوسف بحدة و قولت ..


"يعني إيه جواز سنة؟"


رد من غير لف ولا دوران:


"بعد السنة هنطلق."


ضحكت بسخرية.


"وده بالنسبالك طبيعي؟"


"لا."


"أمال ليه؟"


اتنهد.


"لأن ده الحل الوحيد."


كان أبويا داخل عملية قلب مفتوح ، وأنا كنت بلف على البنوك علشان القرض واترفضت في كل مكان.


أما يوسف...


كان هيخسر نص شركة والده بسبب مشكلة قانونية مؤقتة، والمحامي قال إن وجود زوجة شريكة في بعض الإجراءات هيحل الأزمة.


اتنين كل واحد عنده مشكلة.


واتنين معندهمش وقت.


قال بهدوء:


"مش هطلب منك أي حاجة غير إننا نمثل قدام الناس إننا متجوزين."


"ولما السنة تخلص؟"


"كل واحد يروح لحاله."


بصيت للمحامي بهدوء بفكر للحظات .


قلت:


"ولو وافقت... عندي شروطي "


"أكيد."

اكدلى ... كملت كلامي 


"نتكلم لوحدنا لو امكن"


اتحركنا فى ركن بعيد عن المحامي و بدأت كلامي


"كل واحد يعيش في أوضة؟"


رد

"معنديش مشكلة!"


"ومفيش حد يتدخل في حياة التاني؟"


"أكيد."


"ولو واحد فينا حب حد؟"


ابتسم ابتسامة صغيرة.


"يبقى يستنى آخر السنة."


ساعتها وافقت.


مش علشانه ..ةعلشان أبويا.


نهاية الفلاش باك

......

رجعت من الشغل متأخرة.


البيت كان هادي.


يوسف كان قاعد في البلكونة بيشتغل على اللاب.


أول ما شافني، قفل الجهاز.


"اتأخرتي يعني."


"كان عندي شغل زيادة."


قام دخل المطبخ.


رجع بعد دقيقة بكوباية عصير.


حطها قدامي.


"اشربي."


استغربت.


"من إمتى بتعمل عصير؟"


ضحك.


"من ساعة ما لقيتك بتطنشي الفطار"


أخدت الكوباية وسكت.


هو لاحظ.


"مالك؟"


"ولا حاجة."


"ريم."


"قولتلك مفيش."


بصلي ثواني.


وبعدين قال:


"ماما قالتلي إنها لقت بنت مناسبة."


قلبي دق مرة واحدة.


لكن حافظت على هدوئي.


"مبروك."


رفع حاجبه.


"مبروك؟"


"أيوه."


"إنتي عارفة إنتي بتقولي إيه؟"


ابتسمت.


"هو إحنا مش هنطلق بعد أسبوع؟"


سكت و بعد شوية قال:


"يعني فاكرة و بتعدى الايام كمان؟"


سؤاله كان غريب.


المفروض هو اللي بيسأل المحامي كل شوية عن الورق.


بصيتله وقلت:


"إنت اللي حددت المعاد."


هز راسه.


"صح عندك حق"


دخل أوضته، وسابني واقفة.


ولأول مرة من سنة...


حسيت إن كلمة "صح" دي كان فيها حزن أكتر من أي كلمة تانية.


وفي الليلة دي...


فضلت صاحية للصبح.


مش علشان الطلاق.


لكن علشان سؤال واحد فضل يلف في دماغي:


لو هو فعلًا مستني يتجوز غيري... ليه مستغرب اني فاكرة ميعاد الطلاق و ليه الحزن ده؟


 



تاني يوم...

صحيت متأخرة على غير عادتي.

خرجت من الأوضة، لقيت يوسف بيحضر الفطار.

بصلي وقال:

"خير؟ أول مرة أصحى قبلك."

قعدت من غير ما أرد.

حط قدامي طبق.

"ما تكلي .. مالك؟"

"مش جعانة."

"من إمتى وإنتِ بتفوتي الفطار يا ريم؟"

رفعت عيني ليه.

"من إمبارح."

سكت.

ولا أنا زودت.

ولا هو سأل.

...

طول الطريق للشغل، كلام حماتي مخرجش من دماغي.

"البنت محترمة... والفرح بعد الطلاق على طول."

لما وصلت الشركة، صاحبتي ندى لاحظت إني مش على بعضي.

قالت وهي بتقرب مني:

"مالك؟"

ابتسمت.

"ولا حاجة."

"ولا حاجة ازاي انا عارفة الوش ده كويس"

ضحكت.

"هو انا عندي كذا وش؟"

"آه... وده وش واحدة مهمومة و بتكذب ."

اتنهدت.

وحكيت لها.

أول ما خلصت، قالت:

"استني استني ... هو قالك إنه وافق على كلامها؟"

"لا."

"قالك إنه رايح يتقدم؟"

"لا."

"أمال إنتِ زعلانة من إيه؟"

بصيتلها.

"مش عارفة."

ابتسمت.

"شكلك وقعتي و اللى كان كان."

هزيت راسي بسرعة.

"مفيش الكلام ده."

"و طالما مفيش ... مضايقة ليه؟"

رديت بعد ثواني:

"يمكن علشان اتعودت عليه."

ندى ضحكت.

"لا يا حبيبتي... دي اسمها غيرة."

...

رجعت البيت بدري اليوم ده على غير العادة.

لقيت يوسف بيتكلم في التليفون و أول ما دخلت، سكت.

وبعدين قال:

"خلاص يا طنط، هعدي عليكم بعد المغرب."

اتجمدت مكاني.

هو رايح فعلًا.

قفل المكالمة، وبص لي.

"رجعتي بدري يعني"

"آه."

"أنا نازل كمان حبة و يمكن اتأخر."

ابتسمت ابتسامة باهتة.

"عارفة."

استغرب.

"عرفتي منين؟"

"سمعتك."

هز راسه.

"آه."

ولا فسر ولا قال رايح فين.

دخل يغير هدومه.

ولما خرج، كان لابس بدلة كحلي.

وقفت أبصله من غير ما أحس.

أول مرة آخد بالي إنه طويل.

وإن اللون الكحلي بيليق عليه اوي كده.

شد الكرافتة وهو بيقول:

"شكلي كويس؟"

السؤال خرج منه بعفوية.

لكن بالنسبالي كان معناه حاجة تانية.

ابتسمت.

"أكيد... هتعجب متقلقش."

ملامحه اتغيرت.

فضل باصصلي ثواني.

كأنه مستني أقول حاجة تانية.

لكن أنا دخلت أوضتي وقفلت الباب.

...

الساعة بقت عشرة بالليل.

لسه مرجعش.

قعدت أقنع نفسي إني ماليش دعوة.

فتحت التلفزيون و قفلته.

مسكت كتاب و مكملتش صفحة.

بصيت في الساعة بقت عشرة ونص.

و أخيرًا سمعت صوت الباب. 

خرجت من الأوضة.

دخل وهو شايل علبة حلويات و أول ما شافني ابتسم.

"صاحية يعني؟"

هزيت راسي و بصيت للعلبة.

"إيه دي؟"

"حلويات."

"عارفة إنها حلويات ... ايوة ليه يعني "

هز كتافه و ضحك.

"جبتها."

"لمين؟"

"لينا."

استغربت.

" لينا إحنا؟"

"آه... افتكرت إنك بتحبي البسبوسة."

سكت و استغربت ... سنة كاملة...

لسه فاكر إني بحب البسبوسة.

ناولني العلبة.

"خدي."

أخدتها وأنا بحاول أخبي ارتباكي.

قلت بهدوء:

"كانت المقابلة حلوة؟"

رفع عينه من عليا.

"أنهي مقابلة؟"

"اللي كنت رايحها."

هز كتافه و سكت لحظة.

"عادية."

ولا كلمة زيادة .. دخل أوضته وسابني واقفة.

أنا كنت مستنية يقول:

"لا... دي مش عروسة."

أو يشرح أي حاجة لكنه معملش كده.

...

بعد يومين...

كنت راجعة من الشغل، ولقيت حماتي قاعدة معاه في الصالة.

أول ما دخلت، قالت وهي بتبتسم:

"يوسف، متنساش معاد الجمعة."

رد:

"مش ناسي."

قالت:

"والبنت هتيجي مع أهلها."

اتجمدت .... يوسف لمحني ولأول مرة... بان عليه التوتر.

قال بسرعة:

"ماما... خلاص بعدين."

لكنها كملت عادي:

" فيها إيه يعني؟ ما هي مراتك عارفة إن الاتفاق مسيره هيخلص ... مش كده يا ريم"

ابتسمت وأنا بحاول أبان طبيعية.

"كده يا طنط ... طبعًا."

دخلت أوضتي وقفلت الباب.

و المرة دي... مبقتش قادرة أقنع نفسي إنه سوء تفاهم.

كل حاجة كانت بتقول إنه فعلًا بيبدأ حياة جديدة.

وأنا...

انا لسه واقفة في آخر حياة انتهت من قبل ما تبدأ.

فضلت أبص لعقد الجواز اللي كان في درج الكومود.

فاضل عليه خمس أيام ويتحول لورقة ملهاش أي قيمة.

وقتها خدت قرار.

انا مش هستنى لحد آخر الأسبوع ... أنا اللي هروح للمحامي الأول وأطلب الطلاق.


تاني يوم صحيت بدري و لبست و ولأول مرة من سنة... خرجت من البيت من غير ما أقوله أنا رايحة فين


...


المحامي رفع عينه أول ما شافني و ابتسم.


"اتفضلي يا مدام ريم."


قعدت قدامه.


وقلت من غير مقدمات:


" لو سمحت كنت عايزة أخلص إجراءات الطلاق في اسرع وقت"


بصلي شويةو استغرب .


"بس لسة فاضل أربع أيام."


"عارفة بس محتاجة اخلص الإجراءات قبل كده"


"مستعجلة؟"


ابتسمت.


"أيوه."


طلع الورق قدامي ...قريت أول سطر وحسيت إن إيدي تقيلة.


يمكن علشان الورقة دي كانت نهاية سنة كاملة من حياتي.


مضيت و قومت وقفت بس قبل ما أمشي، المحامي قال:


"يوسف كان قايل هيجي النهارده."


هزيت راسي.


"تمام."


وخرجت.


...


في اخر اليوم...


دخل يوسف المكتب و قعد و بص للمحامي.


"ها يا متر .. الورق جاهز؟"


المحامي ناوله الملف.


"جاهز و مدام ريم مضته كمان."


استغرب جدا و فضل باصص للورق فترة وساكت.


قال المحامي باستغراب:


"مالك يا يوسف مش ده اللي كنتوا متفقين عليه؟"


رد يوسف بصوت واطي:


"ايوة "


"أومال؟"


ابتسم ابتسامة مالهاش أي معنى.


"مفيش."


أخد القلم... لكن إيده وقفت.


افتكر أول يوم دخلت بيته.


أول خناقة بينهم على ترتيب المطبخ.


أول مرة عملتله حاجة سخنة وهو تعبان.


أول مرة ضحك من قلبه بعد وفاة والده.


وأول مرة حس إن البيت بقى بيت.


رفع عينه للمحامي.


وقال:


"ممكن أسألك سؤال؟"


"اتفضل."


"لو ممضتش..."


ابتسم المحامي بمغزى


"يبقى مفيش طلاق."


سكت يوسف ثواني و ابتسم و رجع الورق للمحامي.


"و أنا مش همضي."


...


في نفس الوقت...


كانت ريم راجعة من الشغل.


وصلت البيت و استغربت لما لقت يوسف قاعد في الصالة.


بصت حواليها.


"إنت مروحتش للمحامي و لا ايه؟"


رفع عينه ليها


"لا روحت"


"ومضيت؟"


هز راسه بالنفي اتجمدت مكانها مش فاهمة 


"ليه؟"


قام وقف ... وقرب منها بهدوء.


"مش محتاج امضي عشان انهيه .. العقد ده انتهى من زمان"


قالت وهي مش فاهمة:


"إزاي مش فاهمة؟"


ابتسم.


"إحنا اتفقنا نتجوز سنة."


"وده حصل."


"لكن متفقناش... إنك تبقي جزء من يومي."


سكتت و هو كمل:


"ومتفقناش إني هقلق لو اتأخرتي."


"ومتفقناش إني هفتكر بتفطري إيه و امتى"


"ولا إن البيت من غيرك يبقى فاضي."


نزلت دمعة من عينها وقالت بصوت مهزوز:


"بس انت... كنت رايح تشوف عروسة."


ضحك لأول مرة.


"هي دي المشكلة ؟ ... ده السبب اللى خلاكي تمضي و قبل الوقت كمان ؟"


بصتله بغيظ.


"آه."


قعد على الكنبة.


وقال:


"الست اللي أمي كانت عايزة تعرفني عليها..."


"بنت خالتي."


استغربت.


"إيه؟"


"كانت طالبة مني أقنعها توافق على عريس."


سكتت.


"وأمي كل شوية تقول: شوفها لنفسك ما دام هتنفصلو "


ضحك وهو بيكمل:


"وأنا كل مرة أغير الموضوع."


قالت بسرعة:


"طيب وليه مقولتليش؟"


اتنهد.


"لأننا من أول يوم اتفقنا إن كل واحد ملوش دعوة بحياة التاني ..فكنت فاكر إن التوضيح ملوش لازمة."


ردت وهي بتضحك وسط دموعها:


"ملوش لازمة ... ده أنا فضلت أسبوع بموت."


قرب منها وقال بهدوء:


"وأنا فضلت شهر بحاول أقنع نفسي إن الطلاق عادي .. و هقدر اتعايش"


سكتوا ولا واحد فيهم عارف يقول إيه.


قطع الصمت صوت جرس الباب.


دخلت أم يوسف.


أول ما شافتهم واقفين قدام بعض، قالت:


"خلصتوا اجراءات الطلاق؟"


بص يوسف لريم ورجع بص لأمه.


وقال بكل هدوء:


"لا احنا غيرنا رأينا."


عقدت والدته حواجبها.


"يعني إيه؟"


ابتسم.


"يعني الجواز اللي بدأ بعقد..."


بص لريم و شبك ايده فى ايدها و هو بيكمل:


"...هنكمله بمزاجنا."


بصت ريم له، وقالت وهي بتمسح دموعها:


"بس عندي شرط."


ابتسم.


"إيه هو؟"


ضحكت.


"العقد الجديد... ميبقاش له تاريخ انتهاء."


يوسف مد إيده.


وقال:


"اتفقنا."


مسكت إيده.


ولأول مرة...


كان الاتفاق بينهم...


من غير ورق.


تمت.



تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...