التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر حماتي ( كاملة )


 

الفصل الأول

"و لأول مرة في حياتها... الحاجة دولت بكل جبروتها وطت راسها و قدام مين قدام مرات ابنها"

الحاجة دولت كانت ست محدش في البيت كله يقدر يرفع عينه فيها .. من يوم ما جوزها اتوفى، وهي بقت الآمر والناهي و كلمتها هي اللي بتمشي، ورأيها هو القانون، وابنها الوحيد كريم كان شايفها ملاك على الأرض.

أما شاهندا... مرات كريم، فكانت بقالها تلات سنين عايشة في البيت، وكل يوم كان أصعب من اللي قبله.

كل صباح يبدأ بنفس الصوت...

"يا شاااهندا!"

كانت تسيب أي حاجة في إيدها وتجري عليها

"أيوه يا حاجة."

بصتلها الحاجة دولت بطرف عينها وقالت بحدة:

"الهدوم لسه متتنشرتش ليه؟"

"كنت لسه هطلعها."

"لسه؟ الساعة داخلة على عشرة! ناوية تخلصيهم امتى ان شاء؟ الله يسامحك يابني على مجايبك دي"

شاهندا بلعت ردها وسكتت كالعادة لانها اتعلمت إن أي كلمة هتقولها هتتحول لخناقة هي الخسرانة فيها.

---
بعد نص ساعة...

"يا شاهندا."

جريت تاني عليها 

"اعمليلي فطار"

عملته و نادت تاني عليها

"الشاي تقيل"

عملته تاني

"العيش بارد"

غيرته

"الجبنة مالحة"

جابت غيرها.

ولما خلصت...قالت لها الحاجة دولت وهي بتقوم من على السفرة:

"اغسلي المواعين... وبعدين امسحي الصالة"

شاهندا هزت راسها من غير كلام ... نفس الاوامر كل يوم و هي زي ما اتعودت بتنفذ فى صمت 


---

في اخر اليوم باب الشقة اتفتح و دخل كريم وهو بيبتسم

"السلام عليكم."

في ثانية واحدة اتغيرت ملامح الحاجة دولت

"حمد الله على سلامتك يا حبيب قلبي... نورت بيتك"

حضنته، وخدت الشنطة من إيده، وسألته إن كان أكل ولا لأ

بص كريم لشاهندا، لقاها واقفة قدام الحوض وإيديها كلها صابون

ابتسم وقال:

"مالك يا شاهندا؟ شكلك مرهقة"

قبل ما ترد...

قالت الحاجة دولت بسرعة:

"تعبانة؟؟ تعبانة من ايه دي قاعدة طول اليوم مفيش وراها غير الموبايل، و لسة حالا قايمة تساعدني قال تعبانة قال"

شاهندا بصت لجوزها..كان نفسها تقول الحقيقة لكنها كانت عارفة إنه مش هيصدق فاكتفت بابتسامة صغيرة وقالت:

"معلش يا ماما .. هخلص اللي فى ايدي بسرعة اهو"

---

بالليل... دخلت أوضتها بعد ما الكل نام و وقفت قدام المراية.

بصت لنفسها وهمست:

"أنا بقيت نسخة مش عارفاها... هو ده هيستمر لحد إمتى؟"

دمعة نزلت من عينها لكنها مسحتها بسرعة أول ما سمعت صوت الحاجة دولت من بره 

"شاهندا... اصحي اعمليلي ينسون مش عارفة اروح فى النوم"

بصت للساعة كانت واحدة بعد نص الليل لكنها غمضت عينيها، وقامت تنفذ و بس.

---

تاني يوم الصبح...

نزل كريم شغله بدري .. أما الحاجة دولت فلبست بسرعة وهي بتتكلم في التليفون بصوت واطي و أول ما شافت شاهندا، قفلت المكالمة وقالت وهي بتاخد شنطتها:

"أنا خارجة... ولو حد سأل عليا، قولي مش موجودة"

استغربت شاهندا الطريقة اللي قالت بيها الجملة

لكنها مردتش.

و أول ما الباب اتقفل.. بدأت تنضف الشقة و وهي بترتب السفرة، لفت نظرها موبايل الحاجة دولتوكان مرمي على الكنبة.

قالت لنفسها:

"أكيد هترجع تدور عليه ...  لما انزل الحق اديهولها"

مسكته ونزلت بسرعة تلحقها لكنها لما وصلت الشارع... ملقتش العربية.

افتكرت البيت القديم اللي كانت حماتها بتروحله كل فترة، وكانت دايمًا تقول إنها بتروح تشوفه و تشقر عليه

قالت:

"اروح بسرعة أديها الموبايل وأرجع احسن ما تعمله حوار"

---

وصلت العمارة و طلعت الدور التاني و وقفت قدام الشقة

بس الباب كان موارب استغربت و خبطت مرة و نادت 

"يا حاجة... يا حاجة دولت."

محدش رد .. خبطت تاني

برضه مفيش صوت دفعت الباب بهدوء ودخلت خطوتين

"يا حاجة... نسيتِ موبا..."

الكلمة ماتت على لسانها و الموبايل وقع من إيدها على الأرض.

وقفت مكانها، وعينيها متعلقة بالمشهد اللي قدامها

الحاجة دولت ما كانتش لوحدها ...كان معاها راجل غريب؟

واللي شافته بينهم كان كافي يخليها تفهم إن العلاقة بينهم عمرها ما كانت مجرد معرفة أو زيارة عابرة

اتجمد التلاتة في أماكنهم ... الراجل اتراجع بسرعة وهو مرتبك.

أما الحاجة دولت...

فاتحول لون وشها للأصفر.

ولأول مرة...

شاهندا تشوف الست اللي كانت بترعبها...

خايفة.

خايفة بجد.

اتقابلت عيونهم لثواني... ثواني كانوا كفاية يقلبوا ميزان القوة بينهم.

من غير ما تنطق بحرف... لفت شاهندا، ومشت ناحية الباب.

وقبل ما تخرج... سمعت صوت الحاجة دولت، لأول مرة فيه رجاء مش أوامر:

"شاهندا... استني... أرجوكي."

لكن شاهندا ما بصتش وراها.

خرجت بتجري على برة

وهي بتنزل السلم كانت عارفة إن من اللحظة دي.. كل حاجة هتتغير.

 



الفصل الثاني

شاهندا اول ما وصلت البيت دخلت اوضتها و قفلت الباب وراها وفضلت واقفة ساندة ضهرها عليه .. قلبها كان بيدق بعنف و كل ما تفتكر اللي شافته، جسمها يقشعر.

قعدت على طرف السرير، ومسكت موبايلها فتحته على  رقم كريم بس إيدها وقفت على زر الاتصال

همست لنفسها:

"أقوله... ولا أسكت؟"

لو قالت... هيتدمر و هيخسر أمه.

ولو سكتت... يبقى الست دي هتفضل عايشة ولا كأن حاجة حصلت.

فضلت تبص للموبايل أكتر من خمس دقايق وفي الآخر... قفلت الشاشة.

وقالت وهي بتتنهد:

"مش النهارده..."

---
طول الليل... الحاجة دولت ما غمضتلهاش عين كانت قاعدة على طرف السرير، كل شوية تبص للموبايل.

مفيش اتصال.

ولا رسالة.

ولا حتى خناقة.

وده كان مخوفها أكتر.

قالت لنفسها:

"هي ساكتة ليه؟"

"يا ترى قالت لكريم؟"

"ولا مستنية تعمل إيه؟"

ولأول مرة من سنين... الخوف عرف طريقه لقلب الحاجة دولت.

---
طلع الصبح... شاهندا صحيت بدري و خرجت من أوضتها اتفاجئت بالحاجة دولت واقفة في المطبخ و أول ما شافتها... ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت:

"صباح الخير يا بنتي"

شاهندا وقفت مكانها مصدومة ... بقى هي دي نفس الست اللي عمرها ما قالت لها كلمة حلوة؟

ردت باقتضاب:

"صباح النور."

الحاجة دولت قربت منها

"اقعدي... أنا عملت الفطار النهاردة"

شاهندا استغربت بس قعدت من غير ولا كلمة بس كل لقمة كانت بتاكلها وهي حاسة إن اللي قدامها مش نفس الإنسانة.

دخل كريم وهو بيعدل ياقة قميصه و ابتسم لما شافهم قاعدين مع بعض

"الله! هو أنا صاحي في بيتنا ولا بيت الجيران؟"

ضحكت الحاجة دولت بسرعة

"قولت أريح شاهندا النهارده"

كريم بص لمراته بابتسامة

"طب كويس .. ربنا يهدي الحال"

شاهندا اكتفت بابتسامة صغيرة ولكن عينيها كانت على حماتها

كانت شايفة الرعب مستخبي ورا كل كلمة.

---

بعد ما كريم نزل.. عم الهدوء الشقة

الحاجة دولت فضلت ماشية ورا شاهندا بعينيها لحد ما أخيرًا قالت:

"شاهندا..."

ماردتش و كملت ترتيب السفرة ... الحاجة دولت قربت أكتر و قالت

"أنا... عايزة أتكلم معاكي"

شاهندا بصتلها لأول مرة من ساعة اللي حصل و ردت

"في إيه؟"

بلعت الحاجة دولت ريقها

"في اللي شوفتيه..."

سكتت كأن الكلمة تقيلة عليها

"...له تفسير"

شاهندا سألت بسخرية 

"بجد؟"

سكتت الحاجة دولت .. مفيش تفسير يتقال و شاهندا لفت تكمل شغلها

فقالت الحاجة دولت بسرعة:

"ارجوكي متقوليش لكريم اللي شوفتيه"

شاهندا وقفت مكانها بصدمة .. يمكن دي أول مرة في حياتها تسمع حماتها الحاجة دولت بتقولها "أرجوكي".
لفت ناحيتها و قالت 

"بقى الحاجة دولت بجلالة قدرها بتقول لمرات ابنها ارجوكي ... دي القيامة قامت بقى .. طب و انا ايه اللى يمنعني اني اقول لإبنك اللي شوفته"

الحاجة دولت نزلت عينيها وقالت بصوت مكسور:

"مش هيستحمل ... هيتدمر"

شاهندا ضحكت ضحكة كلها وجع

"هيتدمر!! ... همك على ابنك اوي و لا خايفة على صورة الملاك اللى مبيغلطش اللى هو حاطك فيها ... طب نفترض انك فكرتي فعلا فيه و انه هيتدمر .. طب وأنا؟"

سكتت الحاجة دولت

شاهندا قربت منها خطوة و كملت بشراسة

"أنا اللي اتذليت تلات سنين"

"كل يوم إهانة"

"كل يوم كرامتي كانت بتتكسر"

"ساعتها... كنتِ فكرتي فيا؟ عشان افكر فيكي دلوقتي"

الحاجة دولت حاولت تتكلم... لكن ولا كلمة طلعت .. لأول مرة الست اللي كانت بترعب البيت كله... وقفت قدام مرات ابنها مذلولة ... مش لاقية حتى كلمة تدافع بيها عن نفسها.

.... 

عدت الأيام... والبيت كله اتغير .. الحاجة دولت بطلت تنادي على شاهندا بالصوت العالي.

ولو احتاجت حاجة... تعملها بنفسها

ولو شاهندا دخلت المطبخ... تسيبه وتخرج.

وكريم بدأ يلاحظ و في مرة وهو بيتغدى، قال وهو بيضحك:

"هو إيه اللي حصلكوا؟"

بصت شاهندا في طبقها

أما الحاجة دولت فقالت بسرعة:

"كبرنا يا ابني... قولت أريحها شوية"

ضحك كريم وقال:

"ربنا يديم المحبة بينكم"

الكلمة وقعت على الاتنين تقيلة.

لأن الاتنين عارفين... إن اللي بينهم مكنش محبة لا كان سر... و سر تقيل جدًا.


بالليل... شاهندا كانت واقفة في البلكونة بصت للسما وقالت لنفسها:

"أنا لو قلت الحقيقة... كريم عمره ما هيسامح أمه"

"ولو سكت... يبقى أنا بخونه."

ولأول مرة... اكتشفت إن أصعب قرار في حياتها...

مش إنها تكشف السر.

لكن... إنها تقرر إمتى تكشفه.

 



الفصل الثالث والأخير

مر شهر .. وفي الشهر ده، البيت كله اتغير.

لكن محدش كان فاهم ليه.

غير اتنين.. شاهندا... والحاجة دولت.

---

"يا حاجة... الشاي تقيل شوية"

قالتها شاهندا وهي قاعدة على الكنبة، من غير حتى ما تبص لحماتها.

الحاجة دولت أخدت الكوباية وسكتت و دخلت المطبخ، وعملت غيرها.

رجعت حطتها قدامها .. شاهندا داقتها وبعدين زقتها ناحية حماتها.

"لسه تقيل."

بصتلها الحاجة دولت، لكن ما اتكلمتش .. رجعت المطبخ تاني و عملت شاي جديد

و الآية اتقلبت و بقت مرات ابنها هي ست البيت و الآمرة و الناهية فيه.

---

رجع كريم من الشغل استغرب

"إيه ده يا ماما؟ هو انتي اللي بتعملي الشاي؟"

ابتسمت الحاجة دولت ابتسامة باهتة

"آه يا ابني."

ردت شاهندا بسرعة:

"سيبها... هي قالت إنها بتحب تعمله و مش بتتمزج الا لما يكون عمايل ايديها"

بص كريم للاتنين و كان حاسس إن فيه حاجة غلط.

لكن كل ما يسأل... يسمع نفس الإجابة.

"مفيش."

و مرت الأيام و شاهندا بدأت تتغير ... في الأول كانت بتعتبر اللي بيحصل رد اعتبار

لكن بعد كده بقت تستمتع وهي شايفة الخوف في عيون حماتها و لو الحاجة دولت اتأخرت في تنفيذ أي طلب... شاهندا تكتفي بنظرة واحدة والحاجة دولت تفهم.

في مرة... قالت شاهندا وهي بترتب هدومها:

"الأوضة دي محتاجة تتنضف."

الحاجة دولت قالت بتعب:

"هريح شوية وبعدين..."

شاهندا رفعت عينيها وبصتلها و من غير ولا كلمة الحاجة دولت سكتت... وقامت تنضف الأوضة بهدوء و قلة حيلة 


وفي يوم... رن جرس الباب كانت أخت الحاجة دولت جاية تزورها.

أول ما دخلت قالت وهي بتضحك:

"إيه يا دولت؟ انتي اللي فتحتي الباب؟ اومال فين شاهندا؟"

الحاجة دولت حاولت تبتسم

"جوة."

شاهندا خرجت و سلمت عليها.

وقبل ما تقعد.. قالت للحاجة دولت:

"ما تعمليلنا قهوة يا مامما"

أختها استغربت و بصت لدولت لكن الأخيرة دخلت المطبخ من غير اعتراض

خرجت الأخت وهي مستغربة و هتتجنن بقى هي دي اختها المتحكمة فى بيتها من اول يوم .. بقت بالشكل ده مع مرات ابنها لكن معلقتش و انسحبت بهدوء.

أما الحاجة دولت... فكانت بتحاول تمنع دموعها من انها تنزل و في نفس الليلة...

وقف كريم في البلكونة و بص لشاهندا وقال:

"إنتِ متغيرة"

ابتسمت.

"ازاي ؟ و للأحسن ولا للأسوأ؟"

قال وهو حاسس بحاجة خنقاه:

"مش عارف... بس بقيتي قاسية."

شاهندا ضحكت ضحكة خفيفة.

"ياااه قاسية مرة واحدة ... ولو اتغيرت فعلا...  مش يمكن الظروف هي اللى خلتني كده "

سكت و معلقش بس جواه الشك بدأ يزيد ان حاجة كبيرة بتحصل حواليه و هو مش فاهمها.
---

تاني يوم...

بعد ما كريم نزل شغله... دخلت شاهندا أوضة الحاجة دولت و لقتها قاعدة لوحدها و حاطة وشها بين إيديها

قالت شاهندا:

"مالك؟"

رفعت الحاجة دولت وشها و كانت عينيها حمرا من العياط.

"كفاية يا شاهندا."

شاهندا عقدت إيديها

"كفاية إيه؟"

قالت الحاجة دولت:

"أنا خدت عقابي و فهمت الدرس .. لكن اللي بتعمليه كل يوم ده بيموتني."

ضحكت شاهندا بسخرية

"دلوقتي بس عرفتي يعني إيه حد يموت كل يوم؟"

قالت الحاجة دولت:

"أنا ظلمتك.. و بعترف لكن إنتِ خلاص...

بقيتي نسخة مني."

شاهندا قربت منها وقالت بحدة:

"لا...

أنا لسه معملتش فيكي ربع اللي عملتيه فيا."

وفي اللحظة دي...

اتفتح باب الشقة.

---

كريم كان نسى ورق مهم رجع ياخده وكان داخل ينادي عليهم لكن أول ما سمع صوتهم ...وقف. مكانه

ماكانش قصده يسمع لكن الكلمات شدته

شاهندا كانت بتقول:

"كل يوم كنتِ تذليني...

دلوقتي دوري أشوفك مكسورة."

الحاجة دولت كانت بتعيط.

"حقك بس كفاية كفاية بقى و سامحيني..."

شاهندا ردت بقسوة:

"أسامح؟؟ انا مش هرتاح الا لما أخليكي تدوقي نفس الوجع"

كريم دخل فجأة و صرخ فيهم

"بس كفاية!"

لفوا الاتنين ناحيته وشه كان شاحب و غاضب وعنيه مليانة صدمة

و بص لامه و سألها :

" هي بتكلمك كده ليه و ازاي تسمحلها بكده اصلا؟"

بص لشاهندا و كمل بزعيق

"و انتي ازاي تتكلمي مع امي بالطريقة دي انتي اتجننتي؟"

سكتت

كرر السؤال وهو بيصرخ:

"حد يرد عليا!"

شاهندا أخدت نفس طويل

وقالت:

"أنا هقول"

حاولت الام تمنعها لكن هي تجاهلتها و قررت تحكي...

من أول يوم دخلت فيه البيت

إهانة بعد إهانة

دمعة بعد دمعة

لحد اليوم اللي راحت فيه ترجع الموبايل...

وفتحت الباب...

وشافت السر اللي كانت الحاجة دولت مخبياه.

كل كلمة كانت بتخرج...

كانت بتكسر كريم اكتر و اكتر

ولما خلصت... لف ناحية أمه كان مستنيها تكذبها ...تنكر.

لكن الحاجة دولت نزلت راسها وقالت وهي بتبكي:

"كل كلمة قالتها مراتك .. حقيقة ... انا غلطت ... سامحني يا بني سامحوني "

ساد صمت طويل كريم حط إيده على راسه و وقع على الكرسي اللي وراه

وقال بصوت مكسور:

"ليه؟"

محدش رد

بص لأمه.

"أنا كنت شايفك أشرف ست في الدنيا كل مرة شاهندا كانت تشتكي منك...

كنت بدافع عنك."

قام وقف بصعوبة و وجه كلامه لمراته

"وأنتِ...

كنتي مخبية عني كل ده؟"

الحاجة دولت مدت إيدها ناحيته

"يا ابني..."

رجع خطوة لورا

"لا .. متقوليش يا ابني."

لف ناحية شاهندا اللى كانت فاكرة إنه هيقف في صفها لكن نظرته كانت أقسى من أي حاجة.

قال:

"وأنتِ... انتي فاكرة كده إنك كسبتي؟"

اتجمدت.

"إنتِ كنتِ مظلومة...

وأقسم بالله لو جيتي قولتيلي من أول يوم.. كنت هقف في ضهرك."

صوته علي.

"لكن إنتِ اخترتي الانتقام .. كل يوم كنتِ بتذليها.. وتستمتعي بخوفها وكل يوم كنتِ بتخبي عني الحقيقة .... إنتِ ما وثقتيش فيا... ولا في حبي ليكي."

شاهندا دموعها نزلت

"أنا كنت خايفة..."

قاطعها:

"لا."

"إنتِ في الأول كنتِ خايفة.. لكن بعد كده... عجبك إن القوة بقت في إيدك ... أمي ظلمتك... وإنتِ سيبتي الظلم يحولك لنسخة منها."

لف للاتنين وقال بصوت مهزوز:

"واحدة خانت كل المبادئ اللي ربتني عليها... والتانية خانت ثقتي فيها."

"وأنا... أنا اللي دفعت التمن"

فجأة... الحاجة دولت شهقت حطت إيدها على صدرها.

"كريم..."

و وقعت  على الأرض  .. كريم جري عليها و هو بيصرخ

"ماما!... ماما!"

شاهندا جريت تساعده

اتصل بالإسعاف وهو بيصرخ و اتنقلت للمستشفى لكن بعد دقائق... الدكتور خرج من اوضة الكشف وبص لهم بحزن

"البقاء لله..."

الكلمة وقعت كأنها جبل .. كريم فضل واقف.. مش مستوعب مش قادر يصرخ ولا قادر يبكي.

---

مر أسبوع و البيت بقى ساكت .. شاهندا كانت قاعدة في الصالة لوحدها .. من ساعة الوفاة... وكريم تقريبًا مبيكلمهاش و فجأة دخل عليها و كان ماسك ظرف أبيض فى ايده ... حطه قدامها على الترابيزة و شاهندا مدت أيدها و فتحته 

إيديها بدأت ترتعش ... كانت ورقة طلاقها .

رفعت عينيها.

"بعد كل اللي حصل...

هتسيبني؟"

رد بهدوء موجع:

"أنا سامحتك لأنك اتظلمتي... لكن مقدرتش أثق فيكي ... حاولت لكن مقدرتش ..."

سكت لحظة وكمل:

"الزوجة اللي تخبي عن جوزها سر بالحجم ده... وتختار الانتقام بدل ما تواجه... أنا مقدرش أكمل معاها."

دموع شاهندا نزلت.

قالت:

"أنا كنت فاكرة إني باخد حقي و بحميك"

قال:

"حقك كان عندي...

مش في إنك تبقي نسخة من اللي ظلمك"

خلع دبلة الجواز وحطها جنب الورق.

وقال آخر جملة:

"البيت ده دمره الغلط... لكن اللي نهى كل حاجة... إن كل واحد فيكم اختار يعالج الغلط بغلط أكبر."

لف وخرج وساب شاهندا لوحدها... تبص لورقة الطلاق... وتفتكر اليوم اللي فتحت فيه الباب الموارب .. وقتها كانت فاكرة إنها أخيرًا مسكت نقطة ضعف حماتها... لكنها ما كانتش تعرف إنها في نفس اللحظة... كانت بتفتح باب النهاية لحياتها كلها.



تمت.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...