البارت الأول: "صاحبة البيت والضيفة"
بيقولوا البيوت أسرار، بس أصعب الأسرار هي اللي بتدخل بيتك على الهادي، بابتسامة غلبانة وكسرة نفس مرسومة بدقة.
أنا منى، متجوزة من طارق بقالي 7 سنين، عشناهم في هدوء ورضا، وربنا رزقنا بطفلين زي العسل؛ يوسف عنده 6 سنين، وندى عندها 4 سنين. طارق جوزي راجل طيب وبيجري على أكل عيشه وبيحبنا جداً، بس عنده نقطة ضعف واحدة مالهاش حل.. أخته الصغيرة "نهى". طارق مبيشوفش نهى مجرد أخت، دي بنته اللي كبرها وشال مسؤوليتها بعد ما أبوهم مات وهم صغيرين.
عشان كده، لما كلمني طارق من شهر وصوته بيترعش وهو بيقولي: "نهى اتطلقت يا منى.. ومفيش مكان تروحه غير بيتنا"، مفكرتش لثانية. قولتله بلهفة ومن كل قلبي: "بيتها قبل ما يكون بيتنا يا طارق، دي لحمنا ونشيلها في عيونا".
استقبلتها بالأحضان والدموع. نهى كانت باينة زي العصفور المبلول؛ هادية، مبتتكلمش كتير، وعينها مكسورة دايماً. فضيت لها أحسن أوضة في الشقة، ونزلت اشتريت لها ملايات ومفارش جديدة عشان أغير من نفسيتها، وكنت بحاسب على كل كلمة تطلع مني عشان مجرحش مشاعرها.
بس الهدوء ده مكلش أسبوعين على بعض!
الموضوع بدأ لما كنت واقفة في المطبخ بعمل الغدا، دخلت ووقفت جنبي وبتقولي بنعومة: "بتعملي إيه يا منى؟"
قولتلها بابتسامة: "بعمل طاجن بامية، طارق بيحبه من إيدي قوي".
بصت للطاجن وقالت بأسف مصطنع وهي بتلوي بوزها: "بس طارق مبيحبش الصلصة التقيلة دي يا حبيبتي.. أمي الله يرحمها كانت بتعملهاله خفيفة واللحمة دايبة دوب.. سيبيني أنا أكمله بدالك عشان طارق يعرف ياكل ويسد جوعه".
حزت في نفسي طريقتها، بس قولت معلش مكسورة وجاية تطلع طاقتها في المطبخ، وقولتلها بذوق: "خلاص يا حبيبتي، تسلم إيدك".
لما طارق رجع وكل، انبهر جداً بالأكل وقعد يشكر فيها. نهى بصتلي وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت قدامه: "بالهنا والشفا يا حبيبي.. أصل الرجالة يا منى بتحب الدلع في الأكل، وطارق طول عمره متعود على لقمة نضيفة تفتح النفس.. ابقي قوليلي وأنا أعلمك الطريقة عشان تسعدي جوزك".
بلعت الكلمة وسكت، وبصيت لطارق عشان يحس بالتلقيح بتاعها، بس هو كان فرحان إن أخته بتضحك ومخدش باله من أي حاجة.
الموضوع زاد عن حده.. بدأت تدخل الصالة وتغير مكان الكنب والتابلوهات من ورايا، ولما اشتكيت لطارق بالليل، بصلي بعتاب وقالي: "يا منى أختي نفسيتها تعبانة وبتتسلى.. يعني هي عشان بتغير مكان فازة هتعملي مشكلة؟ كبري عقلك واحتويها يا حبيبتي".
جيت على نفسي واحتويتها.. لحد ما وصل الأمر لعيالي!
أنا دايماً مانعة يوسف وندى ياكلوا حلويات وشوكولاتة قبل الغدا عشان سنانهم وعشان يرضوا ياكلوا. في يوم، رجعت من برا بدري شوية، وفتحت باب الشقة براحة خالص عشان محدش يقلق لو نايمين.
بس رجلي ثبتت في الأرض وأنا سامعة صوت نهى في الصالة.
كانت قاعدة وسط ولادي، وبتوزع عليهم شوكولاتة ومصاصات، وبتقولهم بصوت واطي وفيه خبث غريب:
"كلوا الشوكولاتة دي يا حبايب قلبي ومتقولوش لماما.. ماما بتعاقبكم من غير سبب وبتحرمكم، لكن عمتو حبيبتكم هي اللي هتدلعكم ومتقدرش تزعلكم أبداً.. ماما دي قاسية وبتحب النكد، صح؟"
حسيت بضربة في قلبي لما سمعت ابني يوسف وهو بياكل وبيقولها: "آه يا عمتو.. أنا بحبك أكتر من ماما".
في اللحظة دي، دمي غلي في عروقي. أخت جوزي مش جاية تدور على أمان، دي جاية تسيطر وتاخد مكاني.. وبدأت بأغلى ما أملك: ولادي اللي تعبت في تربيتهم!
حسيت ببرود غريب نزل عليا فجأة، ملقحتش كلام ولا صرخت. دخلت عليهم بخطوات ثابتة وبصيت في عينها اللي برقت من الخضة، وقولت بصوت هادي بس يخوف:
"يوسف.. ندى.. على أوضتكم حالاً".
العيال جريوا من الخوف، وبصيت لنهى اللي ملامح الضحية والمسكنة بدأت تترسم على وشها عشان تعيط وتعمل الحفلة بتاعتها أول ما طارق يرجع. قبل ما تنطق بحرف، قولت لها ببرود:
"جهزي نفسك يا نهى.. طارق زمانه على وصول، وإحنا التلاتة لازم نقعد ونتكلم".
كنت عارفة إن لو صرخت أو انفجرت، طارق هيطلعني أنا المفترية النكدية كالعادة.. وعشان كده قررت ألعب اللعبة بقوانينها هي.. والبادئ أظلم!
(انتهى البارت الأول.. استنوا البارت التاني عشان تعرفوا خطة منى الذكية في المواجهة!)
البارت الثاني: "اللعب على المكشوف"
أول ما طارق دخل من باب الشقة، لقيت نهى قاعدة على الكنبة ودموعها نازلة كأنها شلال، وأول ما شافته جريت عليه وهي بتترعش وبتقول بصوت مخنوق: "أنا آسفة يا طارق.. أنا عارفة إني تقلت عليكم، أنا هلم هدومي وأمشي حالاً ومش هكون سبب في خراب بيتكم!"
طارق بصلها بخضة ووشه اتقلب غضب، وبصلي وقالي بنبرة حادة: "في إيه يا منى؟ إيه اللي حصل وزعل أختي كدة؟"
لو كنت في العادي، كنت صرخت وقولتله أختك بتخرب عقول عيالي وبتلقح عليا كلام في مطبخي.. وطبعاً كان هو هيدافع عنها ويقولي "انتي مريضة وبتغيري منها عشان مطلقة". بس المرة دي، أنا أخدت نفس طويل، وابتسمت ابتسامة هادية جداً وقولتله: "أنا زعلت نهى برضه يا طارق؟ ده أنا كنت لسه بقولها إن الشوكولاتة اللي بتجيبها للولاد بتسوس سنانهم، وهي شكلها حساسة زيادة وفهمتني غلط.. مكنتش أعرف إن كلامي على صحة العيال هيزعلها كدة!"
نهى برقت وعيطت أكتر وقالت: "لا يا طارق.. منى مبقتش طايقاني في البيت، وكل حركة بعملها بتبصلي بضيق وقرف!"
هنا أنا قومت ووقفت جنبها، وطبطبت على كتفها بمنتهى الحنية المزيفة وقولت: "يا حبيبتي اخص عليكي، ده البيت بيتك، وأنا اللي هثبتلك ده بنفسي.. طارق، متزعلش من أختك نفسيتها تعبانة، وأنا هسيبكم تقعدوا مع بعض وأدخل أنا أريح شوية".
دخلت أوضتي وقفلت الباب، ووقفت وراه وأنا ببتسم وبقول في سري: "البداية كدة تمام.. طمنتها عشان تفتح دفاعاتها".
تاني يوم الصبح، طارق نزل الشغل. نهى كانت بتتعامل معايا بغرور وتكبر كأنها كسبت الجولة الأولى. أنا مشيت ورا خطتي بدقة.. طلعت تليفوني القديم اللي شاشته مكسورة بس المايك بتاعه شغال زي الفل، وشغلت عليه برنامج تسجيل الصوت، وحطيته في وسط الورد اللي على ترابيزة الصالة.. مكان مستحيل حد يفتش فيه.
خرجت لنهى وقولت لها بنبرة مكسورة ومستسلمة: "بصي يا نهى.. أنا تعبت من المشاكل، وطارق واضح إنه مبيصدقش غيرك، وأنا شكلي كدة ماليش لازمة في البيت ده.. أنا هلم هدومي وهروح أقعد عند ماما كام يوم، والبيت هيفضالك خالص، بس كنت عايزة أسألك سؤال واحد قبل ما أمشي.. إنتِ ليه بتعملي معايا كدة؟ أنا قصرت معاكي في إيه؟"
أول ما قولت "هسيب البيت"، عين نهى لمعت بلمعة انتصار غريبة، والماسك الغلبان المكسور وقع من على وشها فجأة!
وقفت وحطت إيدها في وسطها وقالتلي بنبرة كلها غل وتكبر: "قصرتي في إيه؟ إنتِ مقصرتيش.. بس أنا شايفة إنك مستهليش العيشة دي ولا تستاهلي طارق! طارق ده المفروض كان يتجوز ست تليق بيه وبعيلتنا مش واحدة زيك.. وبعدين أنا اتطلقت وبيتي اتخرب، تفتكري هسيبك عايشة متهنية في بيتك وأنا بتفرج عليكي؟"
كملت وهي بتقرب مني وبكل ثقة: "أنا هخلي طارق يكره اليوم اللي شافك فيه، وولادك دول بكرة ينسوا اسمك وميحبوش حد في الدنيا قدي.. والبيت ده بكرة هيبقى بيتي أنا لوحدي، وإنتِ هتمشي ومحدش هيبكي عليكي.. وريني بقى هتروحي تقولي لطارق إيه؟ تفتكري هيصدقك وإنتِ الشكاكة النكدية، ولا هيصدق أخته الغلبانة المكسورة؟"
بصيت لها بدموع حقيقية من صدمتي في كمية السواد اللي جواها، وقولت لها بصوت يادوب مسموع: "يعني ده أخر كلام عندك يا نهى؟"
قالتلي بضحكة خبيثة: "آه.. وأعلى ما في خيلك اركبيه يا منى!"
هنا أنا ابتسمت ببرود، ومشيت خطوتين، ومديت إيدي في وسط فازة الورد، وطلعت التليفون القديم وقولت لها: "طب إيه رأيك بقى نسأل طارق نفسه هيصدق مين؟"
نهى وشها جاب ألوان، والدم هرب من عروقها وهي بتشوف التليفون في إيدي.. وعرفت إن كل كلمة، وكل اعتراف بالغل والشر اللي جواها، متسجل صوت وصورة!
وفي نفس اللحظة.. باب الشقة اتفتح!
(انتهى البارت الثاني.. تفتكروا طارق لما يسمع التسجيل هيعمل إيه مع أخت ومين اللي هيمشي من البيت في الآخر؟)
البارت الثالث والأخير: "النهاية.. وبداية خيط جديد"
باب الشقة اتفتح، ونهى اتسمرت مكانها والشهقة وقفت في زورها. بس اللي دخل مكنش طارق لوحده.. طارق كان داخل ومعاه والدتي!
أنا كنت مرتبة كل حاجة بالدقيقة. كلمت ماما الصبح وطلبت منها تيجي، وكلمت طارق وقولتله: "ماما جاية تصالح نهى وتطيب خاطرها عشان هي زعلانة مني، وتعال إنت كمان يا طارق عشان نقفل الصفحة دي ونعيش في هدوء".
نهى أول ما شافت طارق، ملامح وشها اتغيرت في ثانية، ورجعت لدور الغلبانة المكسورة، وجريت عليه وهي بتعيط وتقول: "الحقني يا طارق! منى بتتهمني بحاجات محصلتش وبتهددني بتسجيلات وبتدعي عليا غل مش فيا!"
طارق بصلها بذهول، وبعدين بصلي وهو مش فاهم حاجة وقالي: "تسجيلات إيه يا منى؟ وإيه الكلام اللي بتقوله نهى ده؟"
أنا مهديتش ولا صرخت. مشيت بكل ثقة، وشغلت المقطع الصوتي من التليفون وعليت الصوت على الآخر عشان ماما وطارق يسمعوا بوضوح.
في البداية، كان صوتي الهادي المستسلم وأنا بسألها: "أنا قصرت معاكي في إيه؟"
وبعدين.. طلع صوت نهى الحقيقي! الصوت اللي طارق عمره ما سمعه في حياته.. صوت مليان غل وتكبر وحقد:
"...أنا شايفة إنك مستهليش العيشة دي ولا تستاهلي طارق! طارق ده المفروض كان يتجوز ست تليق بيه وبعيلتنا مش واحدة زيك.. وبعدين أنا اتطلقت وبيتي اتخرب، تفتكري هسيبك عايشة متهنية في بيتك وأنا بتفرج عليكي؟"
طارق عينيه بدأت تتسع من الصدمة، كأنه بيسمع حد غريب مش أخته الغلبانة اللي كبرها على إيده.
والتسجيل كمل وصوت نهى بيرن في الصالة:
"...أنا هخلي طارق يكره اليوم اللي شافك فيه، وولادك دول بكرة ينسوا اسمك وميحبوش حد في الدنيا قدي.. والبيت ده بكرة هيبقى بيتي أنا لوحدي، وإنتِ هتمشي ومحدش هيبكي عليكي..."
ماما شهقت وحطت إيدها على بوقها من الصدمة. أما نهى، فكانت واقفة وشها أصفر زي الليمونة، وبتبص للأرض ومش قادرة ترفع عينها في عين أخوها.
طارق بص لأخته بكسرة نفس وصدمة عمري ما شوفتها في عينه قبل كده. مشي خطوتين ناحيتها وصوته كان بيرتعش وهو بيقولها: "نهى؟ الكلام ده طالع منك إنتِ؟ دي منى اللي فضتلك أوضتها وشالتك في عيونها؟ دي أختي اللي كنت هخرب بيتي وأزعل مراتي عشان خاطرها؟"
نهى حاولت تمثل وتعيط وتقوله: "يا طارق دي كانت ساعة غضب وهي اللي استفزتني..."
قاطعها طارق بزعيق هز حيطان الشقة: "اسكتي! متكذبيش تاني.. الصوت صوتك والغل غلك! أنا كنت شايفك ضحية ومكسورة، طلعتي جاية تخربي بيتي وتكرهي ولادي في أمهم؟!"
التفت طارق ليا وعينه مدمعة، ومسك إيدي وقالي: "أنا آسف يا منى.. أنا أسف إني صدقتها وجيت عليكي.. حقك عليا يا شريكة عمري".
بصيت لطارق وقولتله بهدوء: "أنا مسمحاك يا طارق، عشان إنت راجل طيب وأختك لعبت على طيبة قلبك.. بس أختك مينفعش تعيش معانا ثانية واحدة تانية.. ولادي وبيتي خط أحمر".
طارق بصلها بحسم وقار مكنتش متخيلاه منه، وقالها بنبرة مفيهاش تراجع: "لمي هدومك يا نهى.. أنا هأجرلك شقة تانية تقعدي فيها لوحدك، ومصاريفك هتوصلك كل أول شهر بما يرضي الله عشان دي مسؤوليتي قدام ربنا.. بس رجلك مش هتعتب بيتي ده تاني.. ومفيش كلام يجمعني بيكي بعد النهاردة غير في أضيق الحدود".
نهى لمت هدومها في صمت وهي بتجر أذيال الخيبة والوجع، بعد ما خسرت البيتين.. بيتها الأولاني اللي اتخرب بسب طبعها، وبيت أخوها وسندها الوحيد اللي خسرته بسبب غلها وحقدها.
بعد ما مشيت، البيت رجع له هدوئه ونضافته النفسية من تاني. يوسف وندى رجعوا لحضني، وطارق بقى بيحترمني ويقدر كلمتي أكتر من الأول بكتير لأنه عرف إن طيبتي وراها عقل واعي وذكاء يقدر يحمي البيت في وقت الشدة.
علمتني التجربة دي إن الطيب مش لازم يكون ضعيف، وإن الست الشاطرة هي اللي تحمي مملكتها بذكاء وبرود أعصاب.. مش بالصوت العالي والنكد.
(تمت)
تعليقات
إرسال تعليق