التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبكة في الصاغة و سر ال 24 سنة (الفصل الثالث و الاخير)

 


💍 الفصل الثالث والأخير: "لقاء على أعتاب الماضي"


في منطقة عشوائية صغيرة على أطراف الجيزة، البيوت فيها متلاصقة والشوارع ترابية ومظلمة، كانت القوة الأمنية بقيادة الرائد حسام بتتحرك بحذر شديد في منتصف الليل. الكمين المحكم كان محاصر العمارة القديمة اللي ياسمين قاعدة فيها مع التشكيل العصابي اللي بياخد منها الذهب المزيف.

في لحظة واحدة، اقتحمت الشرطة الشقة! الأبواب اتكسرت والصراخ ملا المكان.. تم القبض على كل الموجودين في الشقة، وفي الأوضة الجانبية، كانت واقفة "ياسمين"..

ياسمين كانت لابسة بنطلون جينز مقطوع وجاكيت زيتي قديم، شعرها ملموم بطريقة عشوائية، ووشها باين عليه التعب وقسوة الأيام. عينيها كانت حادة، مليانة دفاع وشراسة زي عيون الحيوان المفترس اللي متعود إن الشارع ياكله لو ما أكلش غيره!


الأمين مسكها وحط الكلبشات في إيدها، وهي بتصرخ وتسب وتلعن بحشرجة:


 "سيبوني! أنتوا عايزين مني إيه؟! أنا ما عملتش حاجة! أنا ما أعرفكوش!"


اتسحبت ياسمين لعربية البوليس، وانتقلت القوة بالكامل لمركز الشرطة بالقاهرة..

في نفس الوقت، كنت أنا وأمي قاعدين في غرفة التحقيق بننتظر، قلوبنا بترتجف و ايدينا متشبكة في بعض. باب الغرفة اتفتح، ودخل الظابط حسام وهو بيمشي قدامه ياسمين والحديد في إيدها.


أول ما ياسمين دخلت الأوضة وبصلت لي.. المكان كله اتكهرب!


الشبه كانت يرعب.. كان العقل رافض يستوعب اللي شايفه! أنا وهي كنا بنبص لبعض كأن كل واحدة فينا واقفة قدام مراية! نفس ملامح الوش، نفس الرسمة، نفس الطول، والشامة الصغيرة المتطابقة تحت العين الشمال!


ياسمين صرخت ورجعت خطوة لورا وهي بتبصلي برعب وحيرة: 


"إيه ده؟! مين دي؟! أنتوا جايبيني هنا ليه؟! أنتِ مين يا بت أنتِ?!".


أمي ما قدرتش تمسك نفسها نهائياً.. انقضت على ياسمين واحتضنتها بكل قوتها، وضمتها لصدرها وهي بتبكي بانهيار يهد الجبال وتصرخ:


 "بنتي! بنتي اللي انحرمت منها 24 سنة! اااه يا حبيبتي يا بنتي "


ياسمين كانت متسمرة، جسمها ناشف ومستغربة الأحضان دي، حاولت تزق أمي وهي بتقول بغضب وشك: 


"انتي يا ست أنتي مجنونة ولا إيه؟! أم مين وبنت مين؟! أنا مقطوعة من شجرة! أنا اتربيت في دار أيتام وخرجت للشارع وأنا عندي 16 سنة ومش بتت حد ولا أعرف أهلي!"


الظابط حسام قعد على مكتبه وقال بنبرة هادية ومؤثرة:


– "اقعدي يا ياسمين واسمعي.. الست دي أمك، والبنت دي أختك التوأم نورهان أنتِ اتخطفتِ من و أنتِ عندك يوم واحد بس من الحضّانة على إيد مجرم كان بينه وبين أباكِ الله يرحمه خصومة، المجرم ده خاف ورماكِ قدام دار الأيتام في محافظة تانية.. أنتِ مش مقطوعة من شجرة يا ياسمين، أنتِ ليكِ عيلة وبيت وحق بقاله 24 سنة ضايع!"


ياسمين قعدت على الكرسي، عينيها بدأت تلمع بالدموع لأول مرة.. الشراسة والجدار الفولاذي اللي كانت بنيابهم طول حياتها في الشارع بدأوا ينهاروا في ثواني


 بصتلي وبصت لأمي، وصوتها بدأ يترعش: 


"يعني.. يعني أنا ما أترميتش عشان أنتوا مش عايزيني؟ يعني أنا كان ليا أم وبيت؟"


أمي مسكت وش ياسمين بإيديها واعتذرت لها وهي بتبكي وبتبوس إيديها:


 "أبوكِ مات بحسرته عليكِ يا بنتي.. وأنا كنت بعيط عليكِ كل ليلة! والله العظيم ما سيبناكِ برضانا ولا نسيناكِ ثانية واحدة!"


عشان القانون يكتمل ويكون الحسم قاطع، النيابة أمرت بإجراء تحليل بصمة الوراثة (DNA) العاجل بطلب من المحامي اللي وظفناه.

 وبعد أيام القلق والانتظار، طلعت النتيجة رسمياً من الطب الشرعي: 


النسب إيجابي بنسبة 99.9%! ياسمين هي فعلاً الطفلة المخطوفة، وهي أخت نورهان التوأم.


القضية بتاعة سرقة الذهب اتفتحت من جديد بشكل قانوني؛ ياسمين اعترفت بكل حاجة وعن الشبكة اللي كانت بتستغلها، وبحكم إنها ضحية عملية خطف وسرقة في الصغر، وبمساعدة المحامي والظابط حسام، أخدت أحكام مخففة جداً مع إيداع في مؤسسة لتأهيلها وإبعادها عن بيئة الج*ريمة.


وفي اليوم اللي ظهرت فيه الحقيقة كاملة والصحف نشرت التحقيقات و اتكلمت عن القضية وتم تبرئتي تماماً.. جه "أحمد" خطيبي ومعاه أمه لبيتنا.


أحمد كان واقف قدام الباب، وشه في الأرض، ماسك بوكيه ورد وبيحاول يبتسم ويقول بنبرة أسف وندم:


– "نورهان.. أنا آسف، أنا اتسرعت وشكّيت فيكِ، بس الموقف كان صعب و الصدمة كانت شديدة .. سامحيني يا نورهان وخلينا نرجع نفتح صفحة جديدة ونكمل مع بعض "

وقفت قدامه بثبات وقوة، وبصيت في عينه بنظرة سردت كل الوجع اللي حسيت بيه لما سابني وانا الكلبشات في إيدي في الصاغة، وقولتله بنبرة هادية وقاطعة:


– "اللي يسيب إيدي وأنا مظلومة و لوحدي في نص الشارع، ما ينفعش يمسك إيدي وأنا مرفوعة الراس يا أحمد.. اللي يشك في أخلاقي وسمعتي من كلمتين قالهم واحد غريب، ما ينفعش يكون سندي ولا ينفع أستأمنه على بيتي وعيالي في المستقبل. الشبكة والخطوبة دول انتهوا للأبد، وكل شيء قسمة ونصيب"


قفلت الباب في وش أحمد، ولفيت لأمي وياسمين اللي كانت واخدة إجازة ورعاية قانونية عشان تقضي معانا أيام وتتأهل.. مسكت إيد أختي وإيد أمي، وحسيت إن رغم كل الفضيحة والمرمطة اللي عشتها في المحنة دي ، إلا إن ربنا كان كاتبلي الابتلاء ده عشان يرجعلي أختي التوأم اللي ضاعت من 24 سنة، ويكشفلي المعدن الحقيقي للناس اللي كنت فكراهم هما سندي في الحياة.


تمت .

هستنى اراءكم فى الكومنتات

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...