الفصل الثاني: خيوط المؤامرة الباردة
مرّ اليومين اللي غاب فيهم كريم وكأنهم سنة كاملة. كنت بنام و عيني مفتحة ، عين على باب الأوضة وعين على جهاز المراقبة اللي بقيت ببص له كأنه قنبلة موقوتة في البيت.
لما رجع كريم، رميت نفسي في حضنه وبكيت كأني طفلة تايهة. كنت محتاجة أسمع منه كلمة تطمني، كلمة تقولي إن كل ده وهم.. بس اللي حصل كان العكس تماماً.
كريم دخل البيت، وبدل ما يطمن عليا أو يفتش الشقة زي أي راجل مراته خايفة، دخل بخطوات باردة، وبص للعبة الأرنب اللي حطيتها على السفرة وهز راسه بأسف مبالغ فيه.
"يا حبيبتي، إنتِ مبهدلة نفسك على الفاضي.. اللعبة دي أنا افتكرت اني نزلتها من فوق الدولاب الأسبوع اللي فات عشان أصلحها ونسيتها تحت السرير، وإنتِ تلاقيكي نسيتي من كتر السهر مع الولد. ارتاحي يا نور، ارتاحي عشان أعصابك متتبهدلش أكتر من كده."
كلامه كان هادي أوي، هادي لدرجة مرعبة، كأنه بيقرأ من سيناريو مكتوب ومحفوظ.
تاني يوم، بدأت الحاجات الغريبة تزيد في البيت، بس المرة دي بطريقة تانية تماماً. كنت أبقى متأكدة إني حاطة مفاتيح الشقة على الجزامة، ألاقيها فجأة جوة درج المطبخ! أبقى متأكدة إني طفيت عيون البوتاجاز كلها، وأدخل ألاقي عين هادية شغالة وبتطلع نار زرقا وريحة الغاز مالية المكان!
كل ما أقول لكريم بخوف، يبصلي بنظرة شفقة تقتل، ويقولي قدام مامته وأخته "شيماء" اللي بقت فجأة بتزورنا كل يوم:
"شايفين يا جماعة؟ بقت بتنسى كل حاجة.. أنا خايف تسيب الغاز شغال والبيت يولع وهي مش دريانة!"
حماتي كانت بتهز راسها بخبث وتقول:
"يا عيني يا بنتي، شكل التعب أثر على دماغك.. ده إنتِ لسة صغيرة، لازم تشوفي دكتور مخ وأعصاب يلحقك قبل ما الموضوع يتطور!"
أما أخته شيماء - اللي متجوزة بقالها 7 سنين وجوزها الغني بيهددها بالطلاق عشان مابتخلفش - فكانت بتبص لـ "إياد" ابني بنظرات غريبة، عيون جعانة ولهيانة عليه، وكانت دايماً تتدخل وتقول:
"هاتي يا نور الواد أنيمه أنا.. إنتِ إيدك بتترعش و مش حمل شيل عيال خالص دلوقتي."
وسط كل ده، بدأت فعلاً أصدق إني بتجنن. كنت بقعد قدام المراية أعيط وأسأل نفسي:
"أنا إيه اللي بيجرالي؟ هل أنا فعلاً بقيت خطر على ابني؟"
الخوف والشك أكلوا روحي، وبقيت حاسة إني عايشة في سجن من صنعي أنا.
لحد ما جت الليلة الحاسمة.. الليلة اللي كشفتلي الحقيقة العارية الباردة.
كانت الساعة داخلة على واحدة بالليل. كريم كان نايم على سرير اوضة نومنا و انا الليلة دي نمت جنب ابني فى اوضة الاطفال. قمت براحة عشان أشرب مية، الشقة كانت ضلمة تماماً. وأنا راجعة للاوضة و معدية من جنب أوضة المعيشة، سمعت صوت همس واطي جداً جاي من البلكونة.
وقفت مكاني.. كتمت نفسي وسحبت خطواتي ببطء وصمت لحد ما وقفت ورا ستارة البلكونة الموروبة. كان كريم!
ايوة، كريم جوزي اللي كان نايم و رايح فى سابع نومة من ثواني! اتسحب من غير ما حد يحس وواقف في البلكونة بيتكلم في التليفون بصوت همس شبه مسموع:
"أيوة يا شيماء.. نايمة طبعاً، ده أنا حطيتلها المنوم في عصير المانجا اللي شربته قبل ما تنام عشان تفصل خالص.. شغلتي الصوت وجربتيه؟"
قلبي عمل دبة مرعبة، حسيت بركبي بتخبط في بعضها بس ضغطت على سناني وفضلت واقفة بسمع بقية المكالمة اللي نزلت عليا زي مية نار:
"متخافيش يا شيماء.. المهم ان التنازل عن شقة الورث والأرض يكون جاهز بكرة في الشهر العقاري زي ما اتفقنا.. وأنا أول ما أسافر كندا وأستقر هناك، هعملك توكيل رسمي بالحضانة الكاملة لإياد عشان يتربى في بيتك ومع جوزك.. بس أهم حاجة بكرة، الدكتور (رأفت) يكتب التقرير الطبي المعتمد إن نور عندها هلاوس وبترفض العلاج وتشكل خطر على الولد، عشان المحكمة تسقط حضانتها بعد ما أطلقها فوراً وتتنقل ليكي وصاية الولد بصفتك عمته الحاضنة والأب مسافر برة.. يلا اقفلي عشان مرجعش ألاقيها صحيت."
في اللحظة دي، الدنيا لفت بيا. حسيت إن الأكسجين هرب من الأوضة بالكامل. الدموع نزلت من عيني سخنة وبتكوي خدودي، بس مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع صدمة وقهر وغضب بيبني جواه بركان.
جوزي.. شريك عمري.. بيبيع ابنه لأخته عشان ياخد شقة وأرض بملايين يسافر بفلوسهم برة و يهاجر زي ما طول عمره بيحلم! وأخته بتدمر عيلتي وتسرق ابني عشان ترضي جوزها !
استجمعت كل ذرة قوة في جسمي، ورجعت اتسحبت على السرير قبل ما يدخل الأوضة. غمضت عيني وعملت نفسي نايمة تماماً، ولما دخل ونام ، عقلي اشتغل ببرود غريب لأول مرة..
"لو واجهته دلوقتي هيكذب وهيبان إني فعلاً بهلوس.. لازم أمسك عليهم دليل يوديهم في داهية!"
استنيت لحد ما كريم غرق في النوم تماماً وصوت شخيره علي و دخلت الاوضة .. سحبت تليفونه من على الكومودينو براحة، وفتحت تليفوني التاني عشان أصور كل حاجة.
دخلت على تطبيق جهاز المراقبة (Baby Monitor) اللي متوصل بالواي فاي بتاع الشقة. فتحت الإعدادات ودخلت على الأجهزة المتصلة بالكاميرا.. ودي كانت الصدمة التالتة !
الحساب بتاعي وبتاع كريم مكنوش لوحدهم اللى متسجلين .. كان في حساب تالت متصل بالكاميرا وبيتحكم فيها بالكامل، ومكتوب جنب اسم الجهاز: (iPhone - Shemaa).
أخته شيماء كانت متصلة بالكاميرا من بيتها!
وهي اللي كانت بتشغل خاصية التحدث بالليل، وتدندن اللحن المرعب من تليفونها عشان الصوت يطلع من جهاز المراقبة اللي جنب سرير ابني، وكل ده عشان يدمروا أعصابي ويقنعوني ويقنعوا الناس إني بتخيل وأهبل!
فتحت شات الواتساب السري اللي بين كريم وأخته شيماء.. وبدأت أقرا المحادثات والشرار بيطلع من عيني. كل لغز وكل حاجة غريبة حصلت في البيت كانت مكتوبة هناك بالتفصيل الممل والخطوات الشيطانية:
شيماء كانت كاتبة له في رسالة قبل أسبوع:
"أنا دخلت الصبح والبت نور في الحمام، وأخدت المفاتيح من على الجزامة وحطيتها في درج المطبخ من ورا علب البهارات.. ولما سألتني عليها عملت نفسي بدور معاها بلهفة وقلت لها يا بنتي إنتِ اللي نساية وأعصابك تعبانة، والبت صدقت ووشها اصفر من الشك!
وكريم رادد عليها بكل نذالة:
"جدعة يا شوشو.. وأنا النهاردة الصبح نزلت وسبت عين البوتاجاز الصغيرة شغالة على الهادي خالص وهي نايمة، وأول ما صحيت وعملت نفسي لسة داخل شميت الريحة وعملت خناقة وصرخت فيها وقلت لها إنتِ كنتِ هتموتينا إحنا والواد بالغاز! نور كانت بتبكي وبتترعش وحلفت لي إنها طفته.. شكل الخطة جابت مفعول والبت بدأت تتهز بجد وتشك في عقلها"
وفي رسالة تانية بخصوص اللعبة، شيماء باعتة له:
"أنا اشتريت الحجارة الجديدة أهو.. بكره وأنا عندك وبقول لها هاتي الواد أنيمه، هسحب الأرنب من فوق الدولاب من غير ما تاخد بالها، وأركب الحجارة وأسيبه تحت الكاميرا عشان لما أشتغل بالليل بالصوت تغني وتتحرك وتخاف وتفتكر إن الشقة مسكونة!"
وحتى الصداع والهبوط اللي كنت بحس بيهم الصبح، لقيت كريم كاتب عنه:
"أنا بقيت بحط لها نقط منوم هادي في عصير المانجا اللي بتشربه بالليل عشان تنام نوم تقيل ومتحسش بيا وأنا بتسحب برة الأوضة، وعشان لما تصحى الصبح تحس بصداع وتقول دماغي تقيلة وتركيزها يقل خالص قدام الناس، وبكده نضمن إن الدكتور رأفت لما ييجي بكرة يلاقيها هبطانة ووشها أصفر وعينيها داخلة لجوة.. شكلها فعلاً بقى زي المجانين وسهل نلبسها القضية!"
صورت شاشة التليفون والمحادثات دي كلها بجهازي فيديو وصور واضحة جداً، ورجعت تليفونه مكانه بالملي بالظبط من غير ما يحس بنسمة هوا.
رجعت لسريري، بس المرة دي عيني مكنتش بتعيط. قعدت باصة للسقف في الضلمة، ونار الانتقام والذكاء قادت في قلبي.
ضميت نفسي وأنا ببتسم ببرود وبهمس لنفسي في العتمة:
"بكرة هتيجوا عشان تاخدوا ابني وتثبتوا جنوني.. بس بكرة ده، هو اليوم اللي هنهي فيه حياتكم بإيدي وبمنتهى الهدوء!"
يتبع ....
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق