الفصل الثالث: سقوط الأقنعة
صحينا الصبح وكأن كل حاجة طبيعية.
كريم قام من النوم بيبصلي بنظرة متفحصة، بيشوف تأثير المنوم والتوتر على وشي. رسمت على وشي أقصى درجات التعب والضياع؛ مشيت بخطوات مهزوزة، وحطيت إيدي على دماغي كأني دايخة، وقلت له بصوت مرعوب ومبحوح:
"كريم.. أنا حاسة إن الشقة فيها حاجة غلط، أنا خايفة على إياد أوي"
شفت لمعة الانتصار والخبث في عينيه وهو بيطبطب على كتفي ويقولي:
"معلش يا حبيبتي.. كله هيبقى تمام، مامتك وشيماء وماما جايين يطمنوا عليكي النهاردة، ومعاهم دكتور صديق للعيلة ممتاز، هيشوفك ويديكي حاجة تهدي أعصابك."
هزيت راسي بالموافقة من سكات، وجوايا بركان من السخرية.
الساعة بقت خمسة العصر. الشقة كانت مليانة؛ أمي قاعدة وعينيها مليانة دموع وقلق حقيقي عليا، وحماتي وشيماء قاعدين بيمثلوا الحزن والأسى ببراعة تستحق الأوسكار. كريم كان واقف جنب الباب مستني وصول "الدكتور رأفت".
الباب خبط، ودخل الدكتور.. راجل خمسيني، لابس نضارة وبيمثل الوقار، بس عينيه كانت بتتحرك بطمع وجشع مكشوفين. كريم رحب بيه ودخله الصالة، وبدأ يتكلم بنبرة حزينة ومصطنعة:
"أهو يا دكتور.. دي نور مراتي. بقالها فترة بتسمع أصوات غريبة في جهاز البيبي، وبتنسى الغاز شغال وبتخبي المفاتيح وتنسى مكانها.. أنا خايف عليها وعلى ابننا، وبجد مش عارفين نعمل إيه."
الدكتور رأفت قرب مني، وبدأ يسألني أسئلة روتينية مجهزة مسبقاً عشان يوقعني:
"مدام نور.. إنتِ بتشوفي حاجات غيرك مش شايفها؟ بتسمعي أصوات مبهمة بالليل؟ حاسة إن في حد بيراقبك؟"
بصيت لأمي اللي كانت بتعيط، وبصيت لشيماء اللي كانت بتداري ابتسامة شماتة ورا كف إيدها، وبصيت لكريم اللي كان مستني مني الانهيار.
أخدت نفس عميق، ووقفت بصلابة، ملامح التعب والضعف اختفت من وشي في ثانية واحدة، وضهري اتفرد وعيوني لمعت بقوة خلت كريم يتراجع خطوة لورا من المفاجأة.
قلت للدكتور بصوت هادي، ثابت، وقوي سمع الكل في الصالة:
"لأ يا دكتور.. أنا مبشوفش حاجات غيري مش شايفها، ومبهلوسش.. بس أنا هسمّعك بنفسك الأصوات اللي كنت بسمعها بالليل.. وهوريك مين اللي كان بيشغلها!"
قبل ما حد ينطق، طلعت تليفوني، وفتحت الاسبيكر وشغلت أول تسجيل:
صوت كريم الواضح جداً وهو في البلكونة بيتكلم في التليفون:
"أيوة يا شيماء.. نايمة طبعاً، ده أنا حطيتلها المنوم في عصير المانجا.. شغلتي الصوت وجربتيه؟.. التنازل عن شقة الورث والأرض يكون جاهز بكرة في الشهر العقاري زي ما اتفقنا.. وأنا أول ما أسافر كندا هعملك توكيل رسمي بالحضانة الكاملة لإياد عشان يتربى في بيتك.. بس أهم حاجة الدكتور رأفت يكتب التقرير الطبي المعتمد إن نور عندها هلاوس عشان تسقط حضانتها.."
الصمت اللي حل في الصالة كان صمت القبور!
كريم وشه بقى أزرق، وشفيفه بدأت تترعش وهو بيبص للتليفون كأنه شايف شبح. شيماء وقفت مكانها مذهولة، وحماتي شهقت وحطت إيدها على صدرها. أمي وقفت وبصتلهم بذهول وغضب رهيب.
الدكتور رأفت وشه جاب ألوان، وبدأ يلم حاجته بتلعثم:
"أنا.. أنا ماليش دعوة بالكلام ده.. أنا جيت بناءً على طلب الأستاذ كريم.."
وقفت قدامه وقلت له ببرود:
"استنى يا دكتور متستعجلش.. لسة الحفلة مخلصتش!"
فتحت شاشة التليفون التانية، وعرضت صور المحادثات والاسكرين شوتس على شاشة التلفزيون الكبيرة في الصالة عن طريق خاصية العرض اللاسلكي.. الشاشة اتملت بكلام شيماء وكريم وهما بيخططوا إزاي يسرقوا المفاتيح، وإزاي يسيبوا عيون البوتاجاز مفتوحة عشان يثبتوا عليا الإهمال، وتفاصيل الحجارة الجديدة اللي شيماء ركبتها في لعبة الأرنب عشان تخوفني!
أمي صرخت في كريم بجنون:
"اه يا زبالة! يا خسيس! يا واطي ! بتجنن بنتي وبتدمر حياتها عشان تبيع ابنك لأختك بملايين؟! دي الأمانة اللي ائتمنتك عليها؟!"
كريم حاول يقرب مني بعنف وهو بيزعق ويحاول يشد التليفون من إيدي:
"هاتي التليفون ده هنا يا نور! إنتِ فاهمة إنتِ بتعملي إيه؟! دي خيانة زوجية وتجسس!"
في اللحظة دي، الباب الخشب بتاع الشقة اترزع بقوة واتفتح
بص كريم وراه برعب.. لقى اتنين رجالة ضخام داخلين، وبابا وأخويا الكبير وراهم، ومعاهم محامي العيلة وضابط شرطة بلبس مدني!
أنا مكنتش نايمة طول الليل.. أنا رتبت كل حاجة بالملي. كلمت بابا وأخويا وحكيت لهم وبعت لهم كل الأدلة الفجر، وهما جابوا المحامي وعملوا محضر رسمي بالخطف والاحتجاز المخطط والتلاعب النفسي، وجم مع البوليس في الميعاد بالظبط.
المحامي خطى بثقة وقال لكريم وشيماء والدكتور رأفت:
"كل الأدلة دي متسجلة وموثقة رسمي، والتقرير الفني لشركة الاتصالات أثبت إن حساب الآي فون بتاع الأستاذة شيماء كان بيدخل على كاميرا المراقبة في أوقات الهمس والدندنة.. المحضر اتعمل بمحاولة تدمير السلامة النفسية لأم، والشروع في تزوير تقرير طبي رسمي بمساعدة الطبيب المحترم اللي واقف ده، والاتفاق الجنائي لسرقة طفل"
الدكتور رأفت وقع في الأرض من الرعب وبدأ يصرخ:
"أنا ماليش دعوة! كريم هو اللي قالي و رمالي قرشين.. أنا مكنتش أعرف إن في تآمر!"
أما شيماء، فوقعت على الكنبة وهي بتعيط بهستيريا وتلطم على وشها وهي شايفة حلم حياتها في الحفاظ على جوزها والورث بيتبخر وبيتحول لقضية سجن وفضيحة هتملى منطقتهم كلها.
كريم بصلي بعيون مليانة رعب ورجاء، وحاول يستعطفني:
"نور.. أرجوكي.. أنا جوزك وأبو ابنك، متخربيش بيتنا، أنا عملت كده عشان نأمن مستقبلنا ومستقبل الواد.."
بصيت له بمنتهى القرف والبرود، ودمعة واحدة نزلت من عيني مسحتها بسرعة وقلت له:
"بيتنا اتخرب من اللحظة اللي فكرت فيها تبيع ابنك عشان تسافر بفلوس أختك.. إنت وأختك والدكتور ده مكانكم الطبيعي ورا القضبان.. وإياد ابني هيعيش معايا، مرفوع الراس، بعيد عن غدركم وقذارتكم."
الضابط أخد كريم وشيماء والدكتور وسط صراخهم وعياطهم اللي كان مالي العمارة كلها، وحماتي خرجت وراهم وهي بتجر رجليها من الخزي والفضيحة قدام الجيران اللي كانوا واقفين على السلالم يتفرجوا.
دخلت أوضة الأطفال.. شلت "إياد" في حضني، وضمت جسمه الصغير الدافي لصدري.. المرة دي مكنتش خايفة ولا بترعش.
بصت لجهاز المراقبة المحطوط على الكومودينو، مديت إيدي وفصلت الفيشة بتاعته ورميته في باسكيت الزبالة وأنا ببتسم وبهمس لابني:
"خلاص يا قلب ماما.. الكابوس انتهى.. والنهاردة بس، هنبدأ نعيش في أمان بجد."
تمت

رائعة جدا
ردحذف