📜 الفصل الثالث والأخير: "حساب رحيم "
الفجر كان بيشقشق بلون أزرق باهت، والسماء مغيمة بسكون يرعب. الشوارع كانت فاضية تماماً مفيش فيها غير صوت الهواء اللي بيلعب في ورق الشجر الناشف
سحبت "مريم" من إيدها، ونزلنا من البيت في السر من غير ما نحسس "حسين" ولا "كريم".
ركبنا عربيتي، ومسكت الطارة بقوة، عين على الطريق وعين على العداد التنازلي في تليفون بنتي.. فاضل 25 دقيقة.
مريم كانت قاعدة جنبي في العربية بتترعش، ضامة شنطتها لصدرها وشفتيها بيتحركوا بالدعاء:
– "ماما.. أنتِ بجد معاكي الـ 100 ألف كاش في الشنطة؟ إحنا بنعمل إيه يا ماما؟ افرضي طلع مسلح ولا معاه حد؟"
بصيت لها بنظرة صلبة وابتسمت ابتسامة هادية:
– "الشنطة فيها حزَم ورق جرايد ملفوفة بحرص ومحطوط على وشها كذا ورقة بفئة مية جنيه عشان المنظر يا مريم .. والشنطة دي مش رايحة له عشان ياخدها، الشنطة دي طعم عشان ينزل يمد إيده وياخدها بنفسه."
وصلنا عند سور الكلية من ورا.. المنطقة كانت مقطوعة، باب الصيانة القديم متقفل بسلسلة وصدي، وتحت لمبة صودا حمرا مكسورة، كان واقف خيال راجل لابس زعبوط (هودي) أسود ومغطي وشه بـ "كمامة". كان ماسك تليفونه في إيد، والإيد الثانية جوة جيبه.
وقفت العربية على بعد مسافة، ونزلت. مريم كانت عاوزة تنزل معايا مسكتها من إيدها وثبتها:
– "افضلي جوة العربية.. و قفلي الأبواب، وأول ما أديكي إشارة بتليفونك تتصلي بـ 'طارق' عشان يبعت التسجيلات فوراً."
مشيت بخطوات ثقيلة وواثقة على الأسفلت. صوت كعبي كان بيرن في الشارع الفاضي زي دقات الساعة.
أول ما قربت منه، طلع إيده من جيبه وبص حواليه بحذر وشك، ونطق بصوت حاول يخليه خشن ومخيف:
– "وقفي عندك! الفلوس فين يا مدام؟ ارمي الشنطة الأول و ارجعي ورا!"
وقفت على بعد خطوتين بس منه. بصيت في عينيه.. عيونه كانت زايغة، مليانة طمع ورعب مكتوم.
قلت له بنبرة باردة وواثقة زي الصخر:
– "نزل الكمامة دي من على وشك يا دكتور سامح.. مفيش داعي للمسرحية دي خلاص."
الراجل اتجمد في مكانه! عينه اتسعت بصدمة شلت حركته.. إيده اللي ماسكة التليفون نزلت ببطء، وشفايفه بدأت تتنفض تحت الكمامة. سحب الكمامة لتحت بإيد بتترعش، وجسمه كله اتشد:
– "أنتي .. أنتي بتقولي إيه؟! أنتي تعرفيني منين يا ست أنتي؟! هاتي الفلوس بدل ما أقسم بالله الصور..."
قطعت كلامه بصوت زلزل الشارع الفاضي:
– "الصور؟! صور إيه يا جربوع؟! الصور اللي سرقتها من فلاشة أبحاث البنات في معمل الكلية؟! فاكر عشان معاك مفتاح المعمل وبتقعد على اللاب توب بتدخل بشبكة الكلية الأرضية محدش هيعرف يلمسك؟!"
سامح وشه اتخطف واصفر زي جثة، خطى خطوة لورا بحركة لا إرادية:
– "أنتي.. أنتي بتخرفي بتقولي إيه؟! أنا ماليش دعوة باللي بتقوليه ده!"
طلعت تليفوني من جيبي، ورفعت الشاشة في وشه مباشرة.. كانت شاشة تسجيل مكالمة شغال، ومعاها رسالة من المهندس "طارق" فيها صورة صفحة اللوجين بتاعة حساب الكلية المربوط بجهازه ورقم حسابه الشخصي!
قلت له وأنا بقرب منه بخطوة خلته يرجع لورا لحد ما خبط ضهره في سور الكلية الحديد:
– " ده مهندس زميلي في الشركة تتبع جهازي والـ IP الأرضي اللي مرفوع منه صور بنتي ومي وصاحباتها .. البيانات دي بالكامل، مع تسجيلات الصوت بتعتك وأنت بتهدد بنتي على الواتساب، موجودين دلوقتي على تليفون رئيس قسمك في الكلية، وموجودين في بلاغ رسمي جاهز على شاشة ضابط مباحث الإنترنت اللي مستني مني مكالمة واحدة بس!"
سامح ركبه خبطت في بعضها، التليفون وقع من إيده على الأرض فاتفتح الشات والعداد التنازلي قدام عينينا.. فاضل 3 دقائق!
نزل على ركبه في الأرض بسرعة و رعب، ومسك في طرف جيبتي وهو بيبكي بانهيار وذل حقيقي ... كان شاب صغير لسة متخرج و متعين جديد .. عيل لسة بيبدأ حياته بس بيبدأها بالنصب و الابتزاز ..
– "أرجوكِ يا مدام! أرجوكِ لا! أبوس إيدك ابوس جزمتك بلاش!! مستقبلي هيضيع.. أنا بجهز عشان أترقى وأخد الدكتوراة، والله العظيم الشيطان غواني.. أرجوكِ بلاش فضايح، أنا هعمل كل اللي تؤمري بيه!"
بصيت له بقرف واشمئزاز.. المعيد اللي كان فاكر نفسه شيطان وبيهدد بيوت الناس و بيفضح البنات، نازل على ركبه تحت رجلي بيمسح جزمتي بدموعه!
مسكته من ياقة زعبوطه بقوة وقومته، وبصيت في عينيه بنبرة حادة وواثقة:
– "امسك تليفونك ده فوراً.. وافتحه وافتح الحسابات الوهمية كلها قدام عيني!"
سحب التليفون وإيده بتترعش و فتح الحسابات.. مسح الملفات الأصلية، ومسح الصور المتركبة، وفرمت الحساب الوهمي بضغطات سريعة وهو بيحلف وينتحب:
– "والله العظيم مسحت كل حاجة! والله مفيش أي نسخة ثانية في أي حتة.. اقسم بالله مسحت كل حاجة يا فندم!"
سحبت التليفون من إيده بقوة، ودست على زرار إعادة الضبط المصنعي (Factory Reset) للتليفون بتاعه كله، ورميته تحت جزمتي ودست عليه بكل قوتي لحد ما الشاشة اتكسرت ميت حتة.
بصيت له وهو قاعد في الأرض مكسور ومذلول، وقلت له كلماتي الأخيرة اللي اتفرزت زي السم في أذنه:
"التليفون اتكسر وصور بنتي اتمحت.. بس سرك ومعرفتك إني أقدر أجيبك في أي ثانية هتفضل كابوس يطاردك طول عمرك. لو فكرت مجرد تفكير تقرب من بنتي أو صاحبتها، أو تبتز بنت ثانية في الكلية.. الورق والتسجيلات اللي عندي هتبقى عند مباحث الإنترنت و هتوصل للعميد والنيابة قبل ما توصل لبيتك ... انا عملت حساب انك عيل و غلط و زيك زي ابني رغم اني مستحيل اشبهه بيك يا زبالة .. بس قسماً عظماً لو ظهرت قدام بنتي و لا عرفت انك اذيت اي بنت تانية ما هرحمك .. تختفي من الكلية و تقدم استقالتك .. اللي زيك مينولش شرف انه يبقى دكتور محترم و لا يتآمنلك على شباب تانية .. يلااا اختفي من قدام وشي.. يلا!"
سامح قام يجري بذهول وخوف كأنه طالع من القبر، بيتكعبل في خياله وهو بيهرب في الشارع الضلمة.
سندت ضهري على عربيتي، واخدت نفس طويل وعميق.. الفجر كان بدأ ينور الشارع، وصوت أذان الفجر طلع من المسجد القريب وبدأ يدوي في الجو.
فتحت باب العربية، وقعدت جنب مريم اللي كانت بتعيط بس المرة دي دموع إرتياح. ضميتها لصدي وقبلت رأسها:
– "خلاص يا مريم.. الشيطان ده غار في داهية، و سمعتك و مستقبلك في أمان."
مريم مسكت إيدي وبستها وهي بتهمس بصوت مخنوق بالدموع:
– "ربنا يخليكِ ليا يا ماما.. أنتِ مش بس أمي، أنتِ الجبل اللي حاميني."
... دورّت العربية، ورجعنا البيت.. دخلنا على طراف صوابعنا، حسين كان لسه نايم وبيشخر بهدوء، وكريم في أوضته.
دخلت الحمام بهدوء، قفلت الباب على نفسي، وسندت ضهري عليه.. في اللحظة دي بس، كل القوة اللي اصطنعتها طول الليلة اللي فاتت اختفت وجسمي كله بدأ يترعش بعنف. نزلت على الأرض وقعدت، ودموعي نزلت بغزارة مش خوف، لكن من قسوة الرعب اللي عدى عليا.
قعدت أكلم نفسي وأنا حاطة إيدي على قلبي اللي لسه بيدق بجنون:
"الستات مش هشة زي ما مفكرين.. إحنا بنداري خوفنا وقهرنا ورا جدران صلبة عشان عيالنا ما يضيعوش.. الانهيار ساعة الخطر جريمة، إنما الاحتواء هو طوق النجاة.. لو كنت ضعيت قدامها أو انهارت، مريم كانت ضاعت بجد."
غمضت عيني وأنا باخد نفس طويل، وسمحت لدموع التعب والانتصار مع بعض إنها تنظف كل التوتر اللي جوه روحي، وأنا مطمنة إن بنتي في أمان، وإن مهما الدنيا بينت وشها القذر لعيالنا، طول ما وراهم أم بتعرف تحارب.. محدش هيقدر يكسرهم ابداً.
تمت بحمد الله.
هستنى آراءكم في الكومنتات :)

تعليقات
إرسال تعليق