الفصل الرابع والأخير: "أم بالروح"
ساد هدوء عجيب في الأوضة، هدوء بييجي دايماً بعد العاصفة لما كل الأوراق تنكشف على الطاولة.
كانت صوابع مريم المرتعشة بتتخلل شعر "أحمد" الصغير، عينها كانت مثبة على وشه الشاحب اللي باين عليه الذهول والخوف من منظر دموعها وانهيار شريف والحجة صفاء. الكلام وقف في حلقة مريم، بس قلبها كان بيتكلم بمليون لغة.
"ماما.."
كرر أحمد كلمته بنبرة خائفة، وهو بيشد على طرف فستانها بإيده الصغيرة:
"أنا عملت حاجة زعلتك؟ أنتِ مش بتحبيني؟"
في اللحظة دي، حست مريم بدمعة حارة نزلت من عينها ووقعت على خد أحمد. نزلت مريم على رجليها، وقعدت على الأرض قدام الطفل، وضمت وشه الصغير بين كفيها. بصت في عينيه الواسعة اللي مفيهاش أي ذنب، عينين الطفل اللي ميعرفش في الدنيا دي كلها أم غيرها، ولا حنية غير حنيتها.
"أنا بحبك يا أحمد.."
قالت مريم بصوت تقيل، مخنوق بالدموع، بس طالع من أعمق نقطة في روحها
"أنت ابني يا أحمد.. أنت حبيبي ونور عيني اللي عشت عشانه، وعمري ما هسيبك ولا هتخلى عنك أبداً."
اتنفست الحجة صفاء الصعداء، وسندت ظهرها على الحيطة وهي بتسحب نفسها بالعافية، بينما شريف رفع رأسه من على الأرض، وعينيه المدمعة كانت بتتمسك بالكلمات دي كأنها طوق نجاة في وسط البحر.
لفت مريم للزوج المكسور وقالت له بنبرة حازمة ومباشرة، مفيهاش صراخ ولا غضب رخيص، بس فيها قوة أم اتولدت من جديد:
"اسمعني يا شريف.. الكلام اللي اتحكى النهاردة، والسر اللي اتكشف ده، غير كل حاجة في حياتنا.. احمد يمكن هو الحاجة الوحيدة اللى تشفعلك كذبتك عليا طول السنين دي، أحمد بقى حتة من قلبي والنهارده حبي ليه زاد ألف مرة؛ لأنه يتيم وأمانة ربنا وأختك الله يرحمها في رقبتي. بس أنا موجوعة منك.. موجوعة لأنك حرمتني أودع ابني الحقيقي، ولأنك عيشتني 5 سنين في كذبة وسيبتني غريبة في بيتك."
مسح شريف دموعه وقرب منها ببطء شديد:
"حقك عليا يا مريم.. حقك على رأسي وفي رقبتي لحد ما أموت. أنا مستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تسامحيني وترضي عني."
"فيه حاجات لازم تتعمل يا شريف.."
قالت مريم وهي بتقوم تقف وبتثبت نظراتها في عينيه وعين أمه:
"أولاً: بكرة الصبح، توديني للمكان اللي دفنت فيه ابننا.. عاوزة أقف قدام قبره، أقرأ له الفاتحة، وأقول له إن أمه مكنتش نسياه ولا بايعاه، وإنه كان غصب عنها.
ثانياً: أحمد هيفضل ابني رسمياً وقانونياً، وما فيش بشر على وش الأرض هيعرف السر ده تاني أبداً.. السر ده يندفن هنا بيننا إحنا الأربعة، والأوراق الرسمية بتاعته تفضل مضبوطة ومحمية عشان مستقبله.
ثالثاً وأخيراً: أنا محتاجة وقت يا شريف.. محتاجة وقت عشان أداوي الجرح اللي جوايا من كتمانك، ومحتاجة أنت تثبت لي إنك فعلاً صنتني وصنت أمانة ربنا."
هز شريف رأسه بسرعة ومسح دموعه:
"كل اللي هتقوليه هيتنفذ يا مريم.. من بكرة، لا من دلوقتي لو عايزة! أهم حاجة عندي إنك بخير، وأن أحمد في حضنك."
مشيت الحجة صفاء بخطوات ثقيلة ناحية مريم، وحطت إيدها على كتفها بحنان وأسى:
"سامحيني يا بنتي.. أنا اللي شجعت شريف زمان على السكوت عشان الفضيحة وعشان خفت عليكِ.. أنتِ أثبتِ النهاردة إنك ست بمليون راجل، وإنك أم أحمد الحقيقية اللي ربنا اختارها له من فوق سبع سماوات."
في اليوم التالي، مع إشراقة شمس الصباح الهادية، كانت مريم واقفة قدام المقابر. الريح الخفيفة كانت بتهز أطراف طرحتها السودا.
كانت واقفة قدام شواهد صغيرة، شريف واقف على مسافة بعيدة منها باحترام للظرف، ومريم ماسكة إيد أحمد الصغير.
رفعت مريم إيدها للسماء وقرأت الفاتحة بصوت واطي ومؤثر، ودموعها بتنزل بتهدئة.. كانت حاسة إن روح طفلها الميت مرتاحة دلوقتي، لأنه أخيراً عرف إن أمه زارته وعرفته.
نزلت مريم على ركبتها جنب أحمد، وبصت للولد اللي كان بيبص لها بابتسامته البريئة ومسك إيدها الصغيرة:
"ماما.. إحنا بنعمل إيه هنا؟"
ابتسمت مريم من بين دموعها، وبست رأسه بحب وعطف لا ينتهي:
"بندعي لأخوك الصغير اللي في الجنة يا حبيبي.. وبنوعده إننا هنفضل مع بعض، وسند لبعض العمر كله."
سحبت مريم أحمد في حضنها الدافي، وبصت للسماء الصافية.. كانت حاسة إن ربنا أخذ منها طفل بالدم، بس أهداها طفل ثاني بالروح، طفل حبه أعمق وأقوى من أي تحاليل جينية أو أوراق رسمية.
مشيت مريم بخطوات ثابتة وواثقة وهي ماسكة إيد أحمد، وشريف ماشي جنبهم، ممتن للفرصة الثانية وللبيت اللي ربنا اكرمه بالحفاظ عليه بشرط الصدق والمغفرة.
🎬 تمت بحمد الله!
اتمنى تكون القصة عجبتكم و تشوفو باقي قصص المدونة ... هستنى رأيكم فيها بالتعليقات ❤️👇

دك بجد جميلة ومؤثرة
ردحذف