الفصل الثالث والأخير: "وجع البدايات و الغفران المؤجل"
إيدي كانت بتترعش وأنا ماسكة الموبايل، صوت رنة طارق كان زي طوق نجاة مرمي لغريق، بس في نفس الوقت كان فتيل قنبلة موقوتة.
رديت بصوت ناشف، خالي من أي طاقة:
«ألو.. أيوة يا طارق».
طارق كان متوتر ونبرته مشدودة جداً:
«يارا! فيه إيه عندكوا؟ أمي لسه جايلها كلام من القرايب إن فيه خناقة كبيرة قامت عندكم في البيت وفي كلام غريب بيتقال! فيه إيه؟ الناس تحت العمارة بيتكلموا، وأنا مش فاهم حاجة!».
غمضت عيني بعنف. كنت أقدر أطلع بكذبة بسيطة، أقوله خناقة على مصاريف الفرح، أو تشابك بين أختين.. بس أنا في اللحظة دي كنت قرفانة من الكذب وقرفانة من البيوت اللي بتتبنى على الخداع.
أخدت نفس عميق وقولتله بصوت ثابت :
«طارق.. انزل أقابلني دلوقتي حالا تحت العمارة. فيه كلام لازم تسمعه مني أنا شخصياً قبل ما حد يرميلك حكاية ناقصة».
نزلتله الجنينة الصغيرة اللي ورى العمارة. كان واقف يستناني وهو مش على بعضه. حكيتله كل حاجة.. الحقيقة كاملة ومجردة. حكيتله عن الغدر اللي اتعرضتله خالتي سحر وهي عيلة عندها 18 سنة، وعن تكتم العيلة الظالم، وعن غيرة هدى وقسوتها، وعن كفاح سحر في إسكندرية، وعن حقيقة إني بنت المأساة دي.
طارق قعد يسمعلي وهو مصدوم، ملامحه بتتغير بين الذهول والغضب. لما خلصت، بصتلو وقولتله بمنتهى الكبرياء:
«أنا ما أتربتش في الشارع، وأمي الحقيقية انا مش ببررلها و لا قادرة اسامحها بس هي ست اتظلمت وعاشت شريفة بتاكل من عرق جبينها . بص أنا مش هجبرك تتحمل سر زي ده. كتب الكتاب بعد 3 أيام.. لو عايز تنسحب، أنا مش هلومك».
طارق مسك إيدي بقوة وقال بصوت حاسم:
«أنتِ مالكيش ذنب يا يارا.. أنا اخترتك أنتِ . الشرف مش السر اللي اتدفن، الشرف فيكِ أنتِ.. أنا شاريكي، وكتب كتابنا في معاده ومحدش يقدر يقلل منك».
الجبل اللي انزاح من ناحية طارق، ساب مكانه خرابة جوه قلبي من ناحية أهلي.
طلعت الشقة. هدى وسحر كانوا قاعدين في الصالة يستنوني، بصاتهم مليانة ترقب، فاكرين إن اللحظة دي هي لحظة "الاختيار".. مين فيهم اللي هختارها وأخدها في حضني ومين اللي هرميها.
وقفت قدامهم في نص الصالة، وشي متخشب وعيني خالية من أي دمعة.
سحر وقفت بسرعة وجت تمد إيدها تمسكني:
«يارا يا بنتي.. طارق قالك إيه؟ عرف حاجة؟!».
سحبت إيدي منها ببرود شديد ورجعت خطوة لورا، وبصيت للاتنين وقبل ما حد فيهم ينطق كلمة، قولت بصوت هادي وموجوع بس قاطع زي السيف:
«أنتوا الاتنين أقذر من بعض في نظري دلوقتي».
الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. هدى اتسمرت مكانها، وسحر شهقت وحطت إيدها على بوقها.
كملت وأنا بتنفس بالعافية:
«أنتِ يا ست هدى.. ربيتيني وجوزك الله يرحمه سترني، بس ربيتيني بكره وجفاء! كنتِ بتعاقبيني كل يوم على ذنب مش ذنبي، وتشوفيني كارت تكسري بيه مناخير أختك!
وأنتِ يا ست سحر.. اتظلمتِ وجريتِ وعشتِ شريفة، بس سيبتيني 25 سنة، وجاية دلوقتي افتكرتي إن الفلوس والهدايا تقدر تشتري سنين الجفاء واليتم اللي عيشتهم وأنا وسطكم!
أنا مش لعبة بينكم.. ولا حلبة مصارعة بتصفوا فيها عقد نفسية بقالها ربع قرن!».
دخلت أوضتي، لميت كل شنط هدومي، مسكت الصندوق القطيفة اللي فيه الذهب بتاع سحر ورميته على الترابيزة في الصالة، وبصيتلهم وقولت:
«الفرح هيمشي زي ما هو عشان خاطر طارق وكرامتي قدام الناس.. بس من اللحظة دي، محدش فيكم له دعوة بيا. أنا هكتب كتابي وأمشي مع جوزي، ومحدش يوريني وشة ولا يتصل بيا تاني».
مرت الأيام التلاتة كأنها كابوس.
كتبت كتابي واتجوزت طارق. يوم الفرح، مشيت في القاعة زي الملكة، كرامتي مرفوعة ورأسي في السماء، بس قلبي كان حجر. هدى وسحر كانوا قاعدين في أخر الطاولة، يتفرجوا عليا من بعيد ودموعهم نازلة من غير صوت، محدش فيهم قدر يقرب مني أو يباركلي بحرارة، لأنهم حسوا فعلاً إنهم خسروني للأبد.
سافرت مع طارق وعشنا في شقتنا الجديدة. مرت الشهور، وأنا قافلة تليفوني القديم، مسحت أرقامهم، وعزلت نفسي تماماً عن أي حاجة تخص العيلة. طارق كان متفهم ومستوعب حساسية موقفي وسايبلي مساحتي.
في البداية، كانوا فاكرين إنها مجرد فترة استوعب فيها اللي حصل وههدى بعد أسبوعين. بس لما عدى شهر والتاني والتالت وأنا مبردش على رسائل ولا أرقام غريبة، بدأ الرعب ينهش في قلوبهم.
هدى.. الست القاسية اللي عمرها ما طاطت رأسها لحد، بدأت تحس بإن البيت بقى فاضي وكئيب بشكل يرعب. الجدران اللي كانت بتشهد على قسوتها عليا، بقت بتفكرها كل يوم بذنبها. بقت تقعد في أوضتي المفتوحة، تمسك لبسي القديم وتبكي.
أما سحر.. فالمال والشغل ما بقاش لهم أي طعم. الفلوس اللي كانت فاكرة إنها هتعوضني بيها بقت مالهاش قيمة بعد ما بنتها رفضت حتى تبص في وشها.
بعد 6 شهور..
كنت قاعدة في بيتي، حامل في شهري التاني. التعب والإرهاق ومشاعر الحمل صحوا جوايا حاجات غريبة.. خلوني أبدأ أفهم معنى كلمة "أمومة" ومعنى "الضعف البشري".
في يوم الصبح، جرس الباب رن. فتحت، لقيت هدى وسحر واقفين عند الباب!
شكلهم كان يوجع القلب.. الاتنين كبروا 10 سنين في الكام شهر دول. وشهم ذابل، ونظرتهم مكسورة.
سحر كانت ماسكة علبة صغيرة فيها أكل بيتي من اللي بحبه، وهدى ماسكة كيس فيه مفرش أطفال هي خيطته بإيديها.
وقفوا عند الباب، محدش فيهم اتجرأ يخطو خطوة جوة الشقة.
هدى بصتلي وبدأت دموعها تنزل بصمت، وقالت بصوت جاف ومبحوح:
«أنا عارفة إن ماليش عين أقف قدامك يا يارا.. أنا ظلمتك وقسيت عليكِ، بس البيت من غيرك بقى زي القبر. أنا أستاهل كرهك.. بس والتربة اللي ضمّت جوزي، أنا كنت بغير وبحقد، بس عمري ما عرفت أقسي قلبي عليكي للآخر.. أنا جاية أستسمحك بس، ومش هضايقك تاني».
وسحر وقفت جنبها، وضغطت على إيد هدى، وقالت وهي بتشهق:
«أنا وهدى اتصالحنا يا يارا.. اتصالحنا في الوجع اللي سببناهولك. قعدنا وبكينا على السنين اللي ضاعت في الكره. أنا سامحتها على قسوتها وهي سامحتني على هرووبي.. وجايين نقولك إننا بنحبك، ومستعدين نفضل بعيد لو ده هيريحك، بس خلينا نطمن عليكي على الاقل وما تحرميناش من اي خبر عنك».
بصيت ليهم الاتنين .. الأختين اللي قضوا 25 سنة يكرهوا بعض، والنهاردة واقفين إيدهم في إيد بعض، مكسورين ومستنيين كلمة مني!
حسيت بالوجع اللي جوايا بيدوب. عرفت إن العقاب اللي خدوه في الـ 6 شهور دول كان كافي عشان يطهر قلوبهم، وإن الغفران مش ضعف.. الغفران هو الحاجة الوحيدة اللي بتخلينا نعرف نعيش بنظافة.
مسحت دمعة هربت من عيني، ووسّعت الباب، وقولت بصوت هادي:
«اتفضلوا.. ادخلوا سوى، وما تسبوش إيد بعض تاني .. انا محتجاكم و ابني كمان محتاجكم».
دخلوا الشقة، وفي اللحظة دي.. السر اللي هدم العيلة زمان، كان هو نفسه السبب اللي جمعهم وتصلح بيه كل اللي اتكسر.
تمت بحمد الله.
هستنى اراءكم فى الكومنتات :) اتمنى تكون نالت اعجابكم

تعليقات
إرسال تعليق