التخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحم بالإكراه (الفصل الاول)

 


الفصل الأول: الورقة الحمرا والشك القاتل


كانت الساعة حوالي أربعة العصر. الشمس بدأت تكسر حدتها وسخونتها، وبتسيب خيوط أورانج باهتة ودافية نازلة من الشباك الخشب الكبير، وممتدة على أرضية أوضة النوم المسكونة بالهدوء. البيت كله كان ساكت سكوت يوتر الأعصاب، سكون تقيل يخليك تسمع دقات قلبك وهي بتضرب في صدرك، مافيش أي صوت مسموع غير صوت مروحة السقف القديمة وهي بتزن بنغمة منتظمة ورتيبة بتزيد التوتر توتر.

في وسط الأوضة دي، كانت "رانيا" واقفة قدام التسريحة، جسمها كله متجمد زي التمثال، إيدها اليمين ماسكة ورقتين فلوسكاب بيض طالعين من وسط كراكيب ملفات أوراق الشقة والضرايب القديمة، وإيدها الشمال بترتعش برعشة لا إرادية لدرجة إن الورق كان بيعمل صوت خروشة مكتوم ومخيف بيتردد في زوايا الأوضة الفاضية


 ماسكة الورق ده بقالي أكتر من نص ساعة، مش قادرة أتحرك من مكاني ولا أستوعب اللي عينيا شيفاه .. تقرير طبي قديم من تسع سنين، مكتوب فيه بخط دكتور واضح إن طارق اتعرض لحادثة صعبة وضرر شديد في الجهاز التناسلي مهدد بعقم كلي.. وجنبه تحليل حديث باسم طارق بتاريخ من شهرين بس،

 ومختوم بالأحمر العريض: 


'عقم كلي ودائم وضمور كامل يستحيل معه الإنجاب'.


 السؤال المرعب اللي بياكل في عقلي ومش قادرة أنطقه حتى لنفسي:


لو طارق عنده عقم دائم من زمان وعمل تحليل حديث بنفسه بيأكد ده.. يبقى 'عمر' اللي نايم جوة في أوضته ده.. جه إزاي؟ و يبقى ابن مين؟!"


سحبت رانيا نفس طويل ومخنوق بالعافية، وحست إن الأوضة بتميل بيها وسقفها بيقع على رأسها. ضهرها خبط في طرف السرير و وقعت فجأة، رجليها المشلولين من الصدمة مش شايلينها تماماً. عينيها المليانة دموع و رعب راحت ناحية الباب الموارب ، وشافت منه خيال ابنها "عمر" صاحب الست سنين، صحى من قيلولته و بينادي عليها بطوته الطفولي النقي .

 الصوت اللي كان دايماً بيملا البيت بهجة وأمل، بقى نازل على قلبها دلوقتي زي المية السقعة في عز الثلج.

وفي نفس اللحظة.. سمعت صوت مفتاح بيلف في قفل الباب الخارجي للشقة!

قلبها دقاته بقيت طالعة لقمتها ومعدتها اتعصرت. طارق رجع من الشغل في ميعاده اللي سهت عنه بسبب صدمتها.

سمعت صوت الباب بيتفتح ويتقفل، وصوت خطوات جزمته الثقيلة والمجهدة على الباركيه في الصالة. "عمر" جري عليه وهو بيهتف بفرحة طفولية:


 "بابا! جيبتلي اللعبة اللي قلتلك عليها الصبح؟"


وصوت طارق وهو بيرد بفتور وجفاء واضح، صوت واحد شايل الهم فوق كتافه ونفسيته شايالة طين:


 "أه يا عمر.. الشنطة على ترابيزة السفرة اهي، روح خذها وادخل أوضتك العب جوة"


الخطوات قربت من أوضة النوم بسرعة وخطوات متباطئة. رانيا مكانتش قادرة تتحرك ولا تجمع شتات نفسها. من كتر التوتر والارتباك والرعب، ملحقتش تطبق الورق ولا تخبيها في الدرج تحت الملفات تاني.. إيدها كانت مشلولة تماماً وعينيها مسمرة على الباب.

الباب اتفتح.. دخل طارق.

كان لابس قميصه الكحلي الشغل اللي اتعجن من الحر والعرق، قلع النظارة الطبية وحطها على التسريحة، وبص لرانيا. في الأول كانت نظرة عادية وبسيطة بتاعة زوج راجع من شغله تعبان ومحتاج يرتاح، بس أول ما عينه جت على عينيها المليانة دموع وذعر، وبعدين نزلت للتقرير الفوليسكاب اللي في إيدها و هي بتترعش.. ملامح وشه اتغيرت 180 درجة والدم هرب من عروقه في ثانية!

وقف مكانه مبهوت، إيده اترفعت في الهوا حركة لا إرادية وكأنه بيحاول يمنع مصيبة بتوقع، وشفايفه اترعشت كأنه مش قادر يتنفس، وبعدين بص لعينيا وقال بصوت مخنوق ومكسور ومكتوم:

"انتِ.. انتِ جبتِ الورق ده منين يا رانيا؟!"


رانيا وقفت على حيلها فجأة، رفعت الورق في وشه وقالت بصوت حاد مرتعش بس كان زي السكينة اللي بتقطع في لحظة 


"جبتها من الدرج المقفول يا طارق! الدرج اللي أنت قافله بقالك شهور ومفتاحه مستخبي في جيب جاكيتتك القديمة! كذبت عليا ليه يا طارق؟! كذبت عليا تسع سنين ليه؟!  ممكن تفهمني إيه التقرير القديم ده  ... و ايه الحادثة المذكورة هنا، وإيه التحليل الجديد اللي أنت عامله بنفسك من شهرين ده؟! التاريخ واضح زي الشمس من شهرين يا طارق! أنت روحت عملت تحليل جديد وشوفت بعينك إن عندك عقم كلي، وعايش معايا بقالك شهرين و ساكت ... قدرت تعملها ازاي دي ...اتاريك بقالك فترة بتبصلي بجفا وقسوة و كره ؟! أنت مخبي عليا إيه؟! انطق ارحمني!"


طارق قرب منها خطوة، إيده كانت بترتعش بجد، ووشه احمر من الغضب والارتباك، وزعق بصوت واطي ومكتوم وعينيه بتتلوى عشان الولد ما يسمعش برة:

"التحليل اللي عملته من شهرين صح يا رانيا مش مزور! أنا لما لقيت التقرير القديم بتاع الحادثة بالصدفة في كراكيب شقة أمي من شهرين، اتجننت و اترعبت.. وركبت العربية ورحت عملت تحليل جديد لنفسي في أكبر معمل للذكورة.. والنتيجة طلعت صدمة عمري اللي دمرتني:

 عقم كلي وضمور دائم يستحيل معاه الخلفة! 

من يومها وعقلي بيتفرتك ومابنامش الليل! أنا اللي محتاج أسألك دلوقتي وقبل اي حاجة تانية.. لو أنا عندي عقم دائم من زمان و تحليلي من شهرين بيأكد ده.. 'عمر' اللي قاعد بيلعب برة ده.. جه إزاي يا هانم؟! و يبقى اابن مين؟!"


رانيا اتسمرت مكانها، عينيها اتوسعت على آخرهم، وحست كإن كف ينزل على وشها يطير عقلها. بصت له بذهول وقالت بصوت مرعوب ومش مصدق الكلام اللي في نبرته:


"أنت.. أنت بتقول إيه يا طارق؟! أنت بتلمح لـ إيه بالضبط يا ابن الناس؟! أنت شاكك فيا أنا؟! شاكك في شرفي وفي نسب ابنك؟!"


طارق مسك دماغه بإيديه الاثنين وقعد على طرف السرير وهو بيصرخ بصوت خافت ومخنون من قمة العجز:


"أنا بقالي شهرين بموت في اليوم ألف مرة يا رانيا! ببص للولد وهو نايم وبقول ده شبهي.. نفس عينيا ونفس تقاطيعي .. يبقى إزاي؟! إزاي وأنا تحاليلي بتأكد إني استحالة اخلف؟! افهمي النار اللي بتغلي جوايا! مش قادر أشك فيكي لأنك مراتي اللي صنتيني طول حياتنا، ولا قادر أصدق عينيا والتحاليل الرسمية، وحاسس إني هتجنن "


رانيا الدم فار في عروقها وزرقت، وقربت منه ودموعها نازلة على خدودها، وضربت بكفها في كتفه وقالت بصوت طالع بسكون وغضب يهز الحيطان:


"أنا ما خنتكش يا طارق.. وأنت عارف ده كويس ! وعمر ابنك أنت 100% ومش ابن حد تاني ! ولو التحاليل دي صح وأنت فعلاً مابتخلفش، يبقى يا اما فى معجزة حصلت فجأة و حملت يا اما فيه لعبة قذرة وكبيرة اتلعبت علينا إحنا الاتنين! افتكر معايا كده.. بلاش تبقى أعمى.. أنت مش فاكر أمك كانت بتضغط عليا إزاي زمان عشان الخلفة؟!"


طارق رفع رأسه وبصلها بذهول واستغراب، ورانيا كملت وهي بتفتكر الذكريات المترتبة زي الخيوط في عقليتها:


"افتكر بعد سنة من جوازنا.. لما الحمل اتأخر.. أنا عملت كافة التحاليل والكشوفات والأشعة، و الدكاترة كلها قالوا إني سليمة 100% وماعنديش أي مشكلة تمنع الحمل ولا حتى تكيس بسيط! بس أمك كانت بتزن بشكل غريب وغير طبيعي .. كانت بتمسك إيدي وتتحايل عليا وتبكي وتقولي لازم تروحي للدكتور عادل تعملي 'منظار استكشافي' وتوسيع أنابيب! أنا كنت رافضة وبقولها يا حاجة أنا سليمة والتحاليل في إيدي وزي الفل، وهي تلح وتعيط وتضغط عليا وعلى أهلي في كل عزومة ! "

طارق اتجمد مكانه في الأرض، وعينيه اتوسعت كأنه النور أضاء في عقله والتفاصيل بدأت تتربط، ورانيا كملت بصوت زي الساطور ثري ومصمم:

"إحنا مش هنسكت ونستنى لما نقتل بعض بالشك.. أول حاجة هنعملها بكره الصبح، هناخد عمر ونروح لمعمل مستقل ونعمل تحليل بصمة وراثية DNA.. ولما النتيجة تطلع وتأكدلك إنه ابنك، هنعرف ساعة كدة مين اللي لعب اللعبة دي و ازاي عملها من ورانا!"


يتبع ....

هستنى اراءكم فى الكومنتات

لمتابعة القراءة 

رحم بالإكراه (الفصل الثاني و الاخير)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...