التخطي إلى المحتوى الرئيسي

العروس الهاربة (الفصل الثالث و الاخير)

 


الفصل الثالث والأخير: ليلة الحساب... وثقل الحقيقة


مسكت الفلاش ميموري والورق الأصفر في إيدي، وحسيت إنهم مش مجرد أدلة، دول كانوا شهادة ميلاد جديدة لأبويا، وتطهير ليّ من الذنب اللي عشته سنين، لكنهم في نفس الوقت كانوا أشبه بجمرة نار ماسكاها بإيدي وبتكوي في قلبي.

بصيت لروحي في المراية القديمة المكسورة اللي في أوضة أبويا.. منظري كان كفيل يحلل حجم الدمار اللي جوايا: العروسة اللي فستانها بقى كفن من الطين، شعرها المبلول بالدموع والعرق، وعينيها المشتعلة بغضب بيحاول يداري تحطم نفسي كامل. أبويا كان واقف ورايا، عينيه بتقولي "بلاش يا سارة.. الثمن هيكون غالي عليكِ"، بس خلاص.. قطار الانتقام والحق كان أسرع من أي خوف.

أخدت بالطو أسود قديم بتاع أبويا، رميته على كتفي عشان يداري الجزء المبلول والمطين من الفستان، ومسكت إيد أبويا بحزم وقولت له بصوت بيحاول يتصنع القوة:

"يلا يا بابا.. إنت مش هتقعد في الضلمة تاني.. الليلة دي هتمشي معايا ونواجه التعابين دول في جحورهم."

خرجنا من الحارة القديمة. طلبت عربية، وطول الطريق للقاعة الفخمة، كنت حاطة إيدي على إيد أبويا الناشفة. كان بيترعش من القلق، مش خايف على نفسه، كان خايف عليا أنا.. كان عارف إن المواجهة دي مش هتعدي على روح بنته بالساهل، بس أنا مكنتش سارة الضعيفة المخدوعة بتاعة الصبح؛ أنا بقيت درع الراجل اللي اتظلم 15 سنة.

وصلنا الفندق.

حالة الهرج والمرج كانت لسه مسيطرة على القاعة الخارجية. المعازيم واقفين مجموعات بيتوشوشوا، والتسريبات عن "العروسة اللي اتجننت وهربت يوم فرحها" كانت مالية المكان. أمي كانت واقفة عند البوابة الرئيسية مع طارق وعمر، وشوشهم سودا من الحرج والفضيحة، وأمي ماسكة منديل وبتمثل البكاء قدام الناس.

أول ما دخلت جوة الصالة وإيدي في إيد أبويا.. الصوت هدي فجأة.

العيون كلها اتجهت لنا. الاندهاش والذهول صدم المعازيم.. العروسة الهربانة راجعة بفستان متدمر، وماسكة إيد راجل عجوز بملابس بسيطة وشعر أبيض!

أمي أول ما شافت أبويا وشها الدم راح منه وبقت زي الجثة. المنديل وقع من إيدها، واتراجعت خطوة لورا بصدمة ورعب.

أما "طارق"، فعينيه اتسعت من الغضب والشر، وقرب منا بخطوات سريعة وعصبية وهو بيصرخ:


"سارة! إيه الجنان ده؟! إيه اللي جاب الراجل ده هنا؟ إنتِ جايبة المجرم رد السجون ده يفضحنا في ليلة فرحك؟!"


عمر كمان قرب وهو بيزعق: 


"سارة انتي اتجننتي؟ سايبة الفرح وجايبة الراجل ده معاكِ؟!"


أنا ما اترعشتش.. ولا خطوة تراجعت. رفعت رأسي، وبصيت لـ طارق بعينين ثاقبة، وابتسمت ابتسامة باردة وقاطعت صراخه بصوت جهوري هز أركان القاعة كلها:


"المجرم هو اللي واقف قصادك يا طارق.. مش الراجل الطيب اللي سجنته ظلم 15 سنة وسرقت شقا عمره وشرفه!"


الهمسات بين المعازيم زادت زي النار في القش: 


"سجن إيه؟ سرقة إيه؟"


أمي قربت مني بتمثيل وارتعاش، ومسكت دراعي وبتحاول تسحبني: 


"سارة تعالي معايا  جوة.. إنتي مش واعية انتي بتقولي إيه! الراجل ده لعب في دماغك وكذب عليكِ كالعادة!"


نفضت إيدها بقوة وقرف، وصرخت في وشها قدام الكل:


"كفاية تمثيل يا أمي! كفاية خيانة وقذارة! أنا سمعتكم بنفسي من ساعة واحدة بس في أوضة الفندق! سمعتك إنتِ وطارق بتضحكوا على خيانتكم لأبويا زمان، وبتعترفوا إنكم لفقتوا له قضية التزوير والاختلاس عشان تاخدوا الشركة وتفضوا لبعض! سمعتكم وإنتوا بتقولوا إن جوازتي من عمر مجرد صفقة عشان تضمنوا إن السر يتففل عليه للابد وما أطالبش بفلوس أبويا!"


الكلمات نزلت زي القنابل على المعازيم. أمي اتسمرت مكانها وشفايفها بترتعش ومش عارفة تنطق. عمر بصلها وبص لأبوه بذهول وصدمة: 


"بابا.. الكلام ده صح؟"


طارق حاول يحافظ على ثباته وزعق بصوت هيستيري:


"كذب! كذب وتخاريف! البنت دي اتجننت والراجل ده غسل دماغها! خرجوه برة القاعة فوراً وإلا هطلب البوليس!"


طلّعت من تحت البالطو العلبة الصفيح.. ورفعت الفلاش ميموري والورق الأصفر قدام الكاميرات والمعازيم وقولت بصوت حاسم:


"مفيش داعي تطلب البوليس يا طارق لأنه كده كده جاي دلوقتي! معايا هنا تحويلات الحسابات السرية اللي عملتها إنت وأمي قبل محاكمة أبويا بـ 48 ساعة، ومعايا التسجيلات والأوراق الأصلية و المزوّرة اللي أثبت بها المحامي الفساد والتزوير بتاعكم!"


كملت وأنا ببص لأمي اللي بدأت تنهار :


"أبويا سكت 15 سنة في السجن ظلم، وسكت بعد ما خرج عشان ما يسجنكيش يا أمي وما يكسرش عيني قدام الناس.. فكر إنك أم، لكن إنتِ ما راعيتيش ربنا ولا صونتي بيتك ولا بنتك. إنتِ وطارق استغليتوا طيبته، بس أنا مش هسكت.. حق أبويا هيرجع و الليلة دي بالقانون قدام الدنيا كلها!"


في اللحظة دي.. صوت سرينات عربيات البوليس كان بدأ يتسمع برة الفندق. أنا كنت اتصلت بالنيابة والشرطة وأنا في العربية ودلّيتهم على أرقام البلاغ القديم وأماكن الأدلة.

دخل رجال الشرطة القاعة وسط ذهول الجميع.

أمي سقطت على الأرض وهي بتعيط بهستيريا وتترجاني: 


"سارة.. أنا أمك يا سارة! بلاش تعملي فيا كده!"


بصيت لها بنظرة ألم وندم، وقولت لها بنبرة هادية بس ميتة:


"إنتِ اللي عملتي في نفسك وفينا كده يا أمي.. لما بعتِ الراجل اللي صانك، وبعتِ بنتك عشان الفلوس والشهوة."


الشرطة أخدت طارق وأمي للتحقيق للتحفظ عليهم وإعادة فتح قضية التزوير والاختلاس، وعمر وقف مكسور ومش قادر يبص في عين حد بعد ما اكتشف حقيقة أبوه وأمه.


.........


خرجت من القاعة الفخمة.. القاعة اللي كانت هتكون تأشيرتي لسجني الجديد، لكن رغم كده خروجي منها مكنش بعد انتصار بالعكس خرجت منها و انا فاقدة شيء كبير جوايا.


الشارع كان هادي جداً، والرذاذ الخفيف بدأ ينزل من السما كأنه بيحاول يغسل وسخ السنين اللي فاتت. قلعت البالطو الأسود، ومشيت مع أبويا لحد ما وصلنا بيته الصغير البسيط.

أول ما الباب الخشب الأخضر اتقفل علينا من جوة.. الأدرينالين اللي كان مقويني طوال الساعات اللي فاتت اختفى فجأة!

و انهرت.

وقعت على الكنبة القديمة بفستاني ، وجسمي كله بدأ ينتفض ويترعش كأني متجمدة في ثلج. الدموع اللي كانت محبوسة تحت قناع القوة انفجرت بصوت بكاء حاد ومكسور.. عياط طفلة اكتشفت إن العالم كله كان كذبة. أمي اتسجنت.. عيلتي طلعت تعابين.. وعمري اللي فات اتسرق.

أبويا جاب غطا ثقيل، وحطه على كتفي، وقعد على ركبه قصادي على الأرض. مسك إيديا المتلجة بين إيديه الناشفة الدافية، وسابني أعياط.. ما حاولش يسكتني ولا يقولي "خلاص الموضوع انتهى"، لأنه عارف إن الوجع لسة بيبدأ.

حطيت رأسي بين إيديه وصرخت بصوت خفيض ومكتوم:

"أنا حاسة إن قلبي اتقسم نصين يا بابا.. أمي.. أمي اللي ربتني اتسجنت بسببي.. أنا اللي بلغت عنها.. أنا دمرت كل حاجة.. إزاي هعيش بالذنب ده؟ إزاي هبص في الوشوش تاني؟ الصدمة كبيرة قوي عليا يا بابا.. كبيرة لدرجة إن مش قادرة أتنفس!"


أبويا حط إيده على رأسي، وباس جبيني بحنان الأب اللي شال وجع السنين في صمته، وقال لي بنبرة هادية جداً مليانة بالحكمة والمرارة:


"بصيلي يا سارة.. اسمعيني يا بنتي."


رفعت رأسي بدموع مغطية عيني، فكمل بصوت ثابت:


"القلم اللي خدتيه النهاردة والكسرة اللي حاسة بيها في صدرك.. دي ضريبة الحقيقة. أنا عارف إن الصدمة فوق طاقتك وفوق احتمال أي بنت في سنك.. عارف إن صعب جداً تكتشفي إن الأم اللي استأمنتِ حياتك ليها كانت هي اللي بتبيعك وبتبص على مصلحتها على حساب روحك وحقي."


سكت ثواني، ومسح دموعي بطرف جلبابه، وكمل:


"بس صدقيني يا سارة.. اللي عملتيه الليلة دي كان لازم يحصل. ما كانش ينفع تتعاملي معاهم ولا تكملي في اللعبة دي.. لو مكنتيش واجهتي ، كنتِ هتعيشي بقية حياتك مستعبدة ليهم، كنتِ هتمضي على الموت البطيء بإيدك وإنتِ متجوزة ابن الراجل اللي دمر أبوكِ.. كنتِ هتكتشفي ده بعد سنة ولا سنتين، وساعتها الكسرة كانت هتكون أضعاف وأشد، وكان هيبقى معاكِ أطفال تدفع ثمن القذارة دي."


شهقت بعياط:


 "بس إنت كنت ساكت عشان هي ما تتسجنش يا بابا!"


ابتسم ابتسامة مكسورة وقال:


"أنا سكت لأني كنت فاكر إنك عايشة سعيدة وراضية.. لكن لما عرفت إنهم واخدينك صفقة عشان يقفلوا اللعبة، كان لازم الحق يرجع. إنتِ ما سجنتيش أمك يا سارة.. أمك هي اللي سجنت نفسها من يوم ما اختارت الخيانة وسرقة شقا العمر. اللي حصل الليلة دي مكنش انتقام.. ده كان بتر لورم كان هيقتلك ويقتلني معاكِ."


حطيت رأسي على صدره.. لأول مرة من 15 سنة أشم ريحة أبويا. ريحة الطيبة والأمان اللي افتقدتها طول عمري.


كمل أبويا وهو بيهزني بشويش:


"الألم هيفضل فترة يا سارة.. والفقدان هيوجعك.. ومش هقولك إنك هتقومي بكرة الصبح ناسية، لأ.. النفسية المحطمة محتاجة وقت عشان تلتئم.. بس المرة دي هتبني نفسك على أرض صلبة ومستقيمة.. مش على كذبة. حقي رجعلي الليلة دي بإيدك، وإنتِ انقذتي روحك و نضفتي اسم أبوكي."


غمضت عيني، والدموع لسه بتنزل ببطء.. الصدمة كانت لسه طابقة على صدري زي الجبل، والنفسية متدمرة بالكامل من صعوبة اللي حصل في ليلة واحدة، بس وسط كل الكسرة دي ، حسيت ولأول مرة بلمسة أمان حقيقية.


مسكت في جلبية أبويا بقوة، وأنا عارفة إن الرحلة عشان أتجاوز الصدمة دي هتكون طويلة وصعبة جداً.. بس على الأقل، أنا ببدأها وأنا في حضن الراجل الوحيد اللي صانني وما خنّيش.



تمت .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...