الفصل الاول : دندنة
"غمضت عيني عشان أستمتع بهدوء الشقة اللي بقاله ساعة، وفجأة طلع من سماعة الـ (Baby Monitor) صوت همس أنثوي حاد بيغني دندنة مرعبة لابني في سريره: نام.. نام.. يا حبيب ماما نام.. بصوت متقطع وضحكة خافتة سحبت روحي مني!"
في اللحظة دي، المايه اللي كانت بتنزل دافية من الحنفية على المواعين في المطبخ بدت لـ "نور" وكأنها اتحولت لقطرات من التلج بتنزل على جمر. إيدها اتجمدت وهي ماسكة الكوباية، والليفة اتزحلقت من بين صوابعها ووقفت حركة إيدها تماماً. الصمت اللي حلّ فجأة في المطبخ مكنش صمت عادي، كان هدوء تقيل لدرجة إنها بقت سامعة صوت أنفاسها المتهدجة وصوت ضربات قلبها وهي بتدق في ودنها زي الطبل.
الشقة كانت غرقانة في السكون. الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل، و"كريم" جوزها مسافر من الصبح بدري لـ محطة شغل بعيدة ومش هيرجع غير بعد بكرة. كانت لوحدها تماماً مع ابنها "إياد" اللي لسة مكمل سنة ونص. نور متأكدة إنها لفت مفتاح الباب تلات لفتات، ونزلت الترباس الحديدي بإيدها، وحتى البلكونة الكبيرة قفلت شيشها كويس جداً قبل ما تبدأ في ترويق المطبخ.
بصت للجهاز الصغير الأبيض المحطوط على رخامة المطبخ جنب الحوض.. شاشة الـ (Baby Monitor) السودا بدأت ترتعش، واللمبة الخضرا اللي بتحدد ذبذبات الصوت بدأت تطلع وتنزل بعشوائية مرعبة. الصوت رجع تاني، نبرة نسائية غريبة، ناعمة بزيادة لكن فيها بحة خشنة تفرقع الودن، كانت بتدندن لحن قديم ومشهور لـ نوم الأطفال، بس بطريقة بطيئة أوي ومطاطة، تليق بفيلم رعب:
"يلا تنام.. يلا تنام.. و أدبحلك طير الحمام.."
الدندنة انتهت بضحكة صغيرة مكتومة، كأن اللي ورا الكاميرا بيبتسم بخبث وهو عارف إن نور سامعاه.
الرعب شلّ حركة نور لثواني. حست ببرودة بتزحف من رجليها لحد راسها، وشعر جسمها كله وقف. عقلها رافض يصدق.. مين اللي ممكن يدخل أوضة ابنها ويغني له بالطريقة دي؟ الصوت طالع بوضوح ونقاء شديد من السماعة، يعني صاحبة الصوت واقفة على بعد سنتيمترات من سرير البيبي!
مسكت سكينة المطبخ الكبيرة بإيد مبلولة وبتترعش، والسكينة كانت بتخبط في الرخام وتعمل صوت خروشة خفيف من كتر الرعشة. لمت كل ذرة شجاعة باقية في جسمها، وبدأت تتحرك.
الممر اللي بيوصل من المطبخ لأوضة الأطفال كان ضلمة كحل. النور الوحيد اللي كان منور هو لمبة المطبخ اللي وراها، وظلها كان مفرود قدامها على الحيطة زي شبح طويل مرعب. كل خطوة كانت بتاخدها كانت بتحس إن الهوا حواليها بيتقل، والمسافة بتطول.
الدندنة كانت لسة شغالة في السماعة اللي شايلاها في إيدها التانية.. الصوت طالع ونازل مع نبرة نفس سريعة..
"نام.. نام.. نام.."
وصلت قدام الباب الخشب بتاع الأوضة. الباب كان موارب على خيط ضوء خفيف جاي من اللمبة السهاري الزرقا اللي جوة الأوضة. حطت صباعها على الأوكرة المعدن اللي كانت ساقعة زي التلج. أخدت نفس عميق، زقت الباب بقوة وفتحت كبس النور الأبيض الكبير وهي بتصرخ بصوت مخنوق ومبحوح من الرعب:
"مين هنااااااا؟! مين جوة؟!
الضوء الأبيض المفاجئ ضرب عينيها فغمضتهم لثانية، ولما فتحت عينيها وبصت.. اتصدمت.
الأوضة كانت هادية بشكل مريب. مفيش أي كائن حي واقف جوة. الستائر الشيفون الثقيلة كانت نازلة في مكانها مفيهاش حتى نسمة هوا بتهزها. السرير الخشب الصغير بتاع "إياد" كان واقف في مكانه بانتظام، والولد نايم على بطنه، ضامم رجليه لصدره ونايم في سلام تامي وعميق، كأن مفيش صراخ ولا صوت دندنة حصل جنبه من ثانية واحدة.
نور رمت السكينة من إيدها على السجادة وجريت على السرير. شالت إياد بلهفة مرعبة، ضمت جسمه الصغير لصدرها وبقت تبوس في راسه وجبينه وهي بتعيط بنشيج عالي وصدرها بيطلع وينزل بجنون. الولد تململ شوية وطلع صوت أنين صغير وضبط نومته في حضنها من غير ما يفتح عينيه.
بدأت تلف بعيونها المبرقة في كل ركن في الأوضة.. فتحت دولاب الملابس الضخم وبقت تزق الهدوم يمين وشمال بجنون.. نزلت على ركبها وبصت تحت السرير.. فتحت ضلفة الشباك ولقيت حديد الحماية الخارجي سليم ومقفول زي ما هو.
مفيش أي أثر لأي كائن بشري دخل الأوضة. مفيش ريحة غريبة، مفيش حاجة متطوحة على الأرض.
رجعت بنظرها وهي بتنهج وميتة من الخوف لجهاز الـ (Baby Monitor) المحطوط على الكومودينو الصغير.. الكاميرا الزرقا كانت باصة لسرير البيبي الفاضي دلوقتي، واللمبة الصغيرة بتاعتها بتطفى وتنور بانتظام غريب، كأنها بتسخر من رعبها.
قضيت بقية الليلة دي وأنا صاحية، ضامة "إياد" في حضني وصوت دقات قلبي مش راضي يهدى. النور كله كان شغال في الشقة، وكل تكة في الخشب أو حركة للهوا كانت بتخليني أتنفض من مكاني. فضلت باصة لجهاز المراقبة برعب مستنية أي صوت تاني، لكن السكون فضل محاصر المكان لحد ما خيوط الفجر الأولى بدأت تظهر من الشيش.
مع أول ضوء للنهار، حركت رجلي بتعب رهيب. نزلت "إياد" في سريره براحة بعد ما اتأكدت إنه غرقان في النوم، ودخلت المطبخ عشان أعمل كوباية قهوة تفوقني.
عقلي كان شغال زي الآلة : "هل أنا اتجننت؟ هل تعب الولادة والمسؤولية لوحدي مع السفر الكتير لجوزي بدأ يخليني أهلوِس؟"
حاولت أقنع نفسي إن اللحن اللي سمعته يمكن تداخل في شبكات الواي فاي مع شقة تانية في العمارة، أو صوت راديو اشتغل فجأة عند الجيران والجهاز لقطه. أخدت نفس عميق وبدأت أهدى شوية وأنا بصب القهوة.
رجعت أوضة الأطفال وبصيت على "إياد".. كان لسة نايم زي الملاك. لكن عيني وقعت على الأرض جنب سريره، وفي ثانية واحدة، كوباية القهوة وقعت من إيدي اتدشملت ميت حتة على السيراميك!
على الأرض، بالظبط تحت جهاز الـ (Baby Monitor).. كانت واقفة لعبة "الأرنب المتحرك" بتاعة إياد.
اللعبة دي بتشتغل بالحجارة، وليها زرار كبس من تحت لازم يتضغط عليه بقوة عشان تمشي وتغني. الصدمة مكنتش إنها على الأرض.. الصدمة إن اللعبة دي بالذات أنا شايلاها بإيدي من أسبوع ومخيباها في كرتونة فوق الدولاب العالي لأن حجارتها فضيت وبتعلق!
برعب حقيقي، نزلت على ركبي وسحبت اللعبة. قلبتها وبصيت على مكان الحجارة.. الغطاء البلاستيك كان مفكوك ومحطوط جنبه مسمار صغير، وجواها حجارة جديدة تماماً بتلمع!
جسمي كله تلج . اللعبة دي مستحيل تكون نزلت من فوق الدولاب لوحدها، ومستحيل تكون الحجارة دي ركبت فيها بالصدفة.
مسكت تليفوني بإيد بتترعش واتصلت بـ "كريم" جوزي. الخط جمع وفتح، وجه صوته الناعس التعبان:
"أيوة يا نور.. صباح الخير يا حبيبتي، في حاجة؟"
حكيتله كل حاجة وأنا بعيط وبنهج، صوتي كان طالع منهار ومتقطع:
"كريم.. في حد في الشقة! والله العظيم في حد دخل الشقة بالليل واللعبة دي كانت فوق الدولاب ونزلت.. وفي صوت ست غنت لإياد في الجهاز.. ارجع يا كريم أنا خايفة!"
سكت كريم لثواني طويلة، سكون مريب مكنش فيه غير صوت الهوا في التليفون، وبعدين قال بنبرة هادية بزيادة.. هادية لدرجة باردة:
"نور.. حبيبتي اهدي. إنتِ بقالك فترة مبتناميش كويس من ساعة ما إياد تعب الأسبوع اللي فات. اللعبة دي تلاقيكي إنتِ اللي نزلتيها ونسيتي، والشبكة بتاعة الجهاز بتلقط من الجيران عادي. خدي دش دافي واقعدي ارتاحي وأنا هحاول أخلص شغلي بدري وأجيلك."
قفلت السكة معاه وحسيت بغصة في حلقي. بصيت للعبة اللي في إيدي، وبصيت حواليا في أركان الشقة اللي فجأة حسيتها ضيقة ومرعبة ومفيهاش أمان..
سندت راسي على الحيطة ودموعي نازلة بقلة حيلة وأنا بسأل نفسي برعب حقيقي: "هو أنا فعلاً بدأت أتجنن وأشوف حاجات محصلتش.. ولا البيت ده نفسه بقى مسكون وفي حاجة غامضة بتحصل من ورايا؟!
يتبع ......
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق