الفصل الأول: "فضيحة في الصاغة"
أنا اسمي "نورهان".. طول عمري بنت هادية، عايشة مع أمي بعد ما بابا اتوفى من خمس سنين وسابنا بنصارع الحياة بطريقتنا. خطيبي "أحمد" كان بالنسبة لي هو العوض اللي تمنيته من ربنا؛ مهندس هادي، ابن ناس، وبيحبني بجد. بقالنا سنة بنجهز لليوم ده.. يوم شراء الشبكة.
اليوم ده كان المفروض يكون بدايه لأحلى أيام حياتي.. الشمس كانت طالعة دافية، وأمي عمالة تدعيلي من وش الفجر وهي بتحضرلي الفطار وتقول لي:
"ربنا يسعدك يا نورهان يا بنتي، أخيراً هشوفك بالابيض وهطمن عليكِ".
اتجمعنا كلنا ونزلنا على أقدم وأكبر شارع للصاغة في القاهرة. شارع فرنسا كان زحمة، وصوت الدق على الذهب وضحكات الناس والزغاريد الطالعة من المحلات مالية المكان.
دخلنا محل "البرنس" للذهب.. محل قديم، الحوائط بتاعته متغطية بخشب الأرو الفاخر، والإضاءة الصفرا جواه بتخلي الذهب يلمع بطريقة تخطف العين.
قعدت أمي وأم أحمد على الكراسي الجلد العريضة في المحل، والضحكة مش مفارقة وشوشهم. أم أحمد كانت كل شويه تبصلي وتطبطب على كتفي وتقول:
"اختاري اللي يعجبك يا نورهان، أحمد مش هيستخسر فيكي حاجة اللي يعجبك هناخده "
وأحمد كان واقف جنبي، عينه بتلمع بالحب وهو بيتفرج معايا على الفتارين والتشكيلات.
جه صاحب المحل.. راجل في الخمسينات من عمره، اسمه "الحاج رشدي".
راجل هيئته تهيب، وشّه صارم ونظراته حادة ومش من النوع اللي بيبهزر مع الزباين. نزلنا كذا علبة، واخترنا الخاتم والمحبس، وكان فاضل آخر قطعة عشان نختم بيها الشبكة.. "الأسورة".
مسك الحاج رشدي إيدي عشان يقيسلي الأسورة الذهب الثقيلة اللي اخترتها. لكن أول ما حط إيده على إيدي.. حسيت بمسكته اتغيرت تماماً!
ما كانتش مسكة بياع بيقيس قطعة ذهب لزبونة، دي كانت مسكة واحد بيقبض على متهم خايف يهرب من إيده! ضغط على معصمي بقوة خلاني أتوجع وأبصلوا باستغراب
رفع عينه في وشي، وبصلي بتركيز مرعب.. نظرة كلها كره وازدراء. فجأة ملامحه اتقلبت، وشفايفه بدأت تترعش من الغضب، والدم جري في وشّه!
بص لـ "أحمد" خطيبي وقال بصوت جهوري هز أركان المحل والشارع اللي برة:
– "الأسورة دي مش هتخرج من المحل.. والآنسة دي كمان ، مش هتاخد مني قشاية ، ومش هتدخل محلي تاني أصلاً!"
المحل كله سكت في ثانية.. الزغاريد اللي كانت طالعة من أمي وأم أحمد ماتت في لحظة. الناس اللي كانت بتشتري جنبنا اديرت بوشها ووقفوا يراقبوا الموقف.
أحمد اتقمص دور الراجل وجرى مسك إيد الحاج رشدي عشان يبعدها عني، وزعق بصوت عالي:
– "أنت تجننت يا حاج ولا إيه؟! أنت عارف بتكلم مين؟! دي خطيبتي ومتربية أحسن تربية في المنطقة كلها! إزاي تتكلم معاها بالطريقة دي؟!"
الحاج رشدي ما اتهزش ولا خاف من زعيق أحمد.. زق إيد أحمد بهدوء شديد، وشاور بإيده التانية على كاميرات المراقبة المترصصة فوق رأسه في السقف وقال بنبرة مليانة تشفي وثقة:
– "خطيبتك محترمة في بيتكوا يا أستاذ.. لكن عندي هنا في المحل دي 'نصابة'! الآنسة المحترمة دي دخلت عليا من 6 شهور بالظبط، وعملت حركة رخيصة.. بدلت اسورة ذهب ثقيلة بقطعة فالصو متغطية بماء الذهب، ومشيت قبل ما أكتشفها.. وأنا وشوش الناس اللي بتغفلني بتتحفر في ذاكرتي ومبنسهاش أبداً!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. "نصابة؟!".
جسمي كله بدأ يترعش، حاسس إن الأرض بتدور بيا. أمي وقفت وهي بتصرخ وتدعي عليه:
"حرام عليك يا راجل يا مفتري ! بنتي متربية و تعرف ربنا وعمرها ما مدّت إيدها على حاجة مش بتاعتها!".
أما أم أحمد.. فقامت من مكانها بسرعة، ومسكت ابنها من دراعه وبدأت تسحبه لورا، وعينيها بتتنقل بيني وبين صاحب المحل بنظرات شك وقرف صريحة.
أنا كنت واقفة متسمرة مكاني، لساني اتعقد، الدموع كانت متحجرة في عيني ومش عارفة أدافع عن نفسي.. 6 شهور؟! في الوقت ده أنا كنت مسافرة اصلا تبع شغلي في شركة المحاسبة خارج القاهرة .... فأيه اللي الراجل ده بيقوله ... مش قادرة أستوعب اللي بيحصل!
أحمد بصلي.. والنظرة اللي كانت في عينه من شويه مليانة حب، اتحولت في لحظة لنظرة شك وريبة قاتلة. مسكني من كتفي وقال بنبرة صوت مكسورة:
– "نورهان.. اتكلمي! قولي إن الراجل ده كذاب! أنتِ جيتي هنا قبل كده؟ اتكلمي يا نورهان!"
قبل ما ألحق أرد وأحلفله بدموعي إن عمر رجلي ما خطت الشارع ده، الحاج رشدي لف الشاشة الصغيرة اللي قدامه على المكتب، وشغل فيديو تسجيل من كاميرات المراقبة بتاريخ قديم..
الفيديو كان واضح جداً.. البنت اللي واقفة في الفيديو بتتبادل الذهب مع البياع كانت لابسة جاكيت زيتي،شعرها نفس شعري والأخطر من ده كله.. لما البنت بصلت للكاميرا، كان عندها نفس الشامة الصغيرة اللي تحت عيني الشمال بالظبط!
أنا نفسي لما شفت الفيديو صرخت ومسكت رأسي من الصدمة.. دي أنا! الشبه مش 90%.. دي أنا بالحرف! بس أنا عمري ما دخلت المكان ده ولا شفت الراجل ده في حياتي!
أم أحمد زقت أحمد للشارع وزعقت في المحل بصوت سمع كل الزباين:
– "الحمد لله إن ربنا كشفك على أصلك قبل ما تدخلي بيتنا ونتبلي بيكِ! يلا يا أحمد، الشبكة دي مش هتم.. والخطوبة دي اتفضت، وما يلزمناش ناس بالشكل ده!"
أحمد بصلي بكسرة ونظرة خيبة أمل عميقة، رمى علبة الخاتم على الترابيزة الخشب، وخرج ورا أمه من غير ما يديني فرصة إني أشرح أو أدافع عن نفسي.
لكن في وسط الظلم والانهيار ده كله.. الغريب ما كانش رد فعل أحمد، الغريب كان رد فعل أمي!
أمي كانت واقفة عينيها مثبتة على شاشة الكاميرا، ووشها اتخطف واصفرّ زي الميتين. أيديها كانت بترتعش بشكل هستيري، وشفايفها عمالة تتحرك بكلام مش مفهوم وهي بتبص للبنت اللي في الفيديو برعب وذهول مش طبيعي!
قربت منها وأنا بصرخ وببكي: "ماما الحقيني انتي ساكتة ليه انا اتفضحت ... قولي اي حاجة للراجل ده !".
لكن أمي ما ردتش عليا.. تمتمت بصوت واطي جداً ومبحوح وهي بتمسك في صدرها وتنهد: "مش معقول.. مش معقول".
الجواهرجي مسك سماعة التليفون الأراضي وبيطلب البوليس وهو باصصلي بتشفي.. وأمي مسكت إيدي بضغط يرعب وقالتلي بصوت مخنوق:
"اطلبي البوليس أنتِ يا نورهان.. لازم البوليس يجي حالاً "
يتبع .....
هستنى اراءكم فى الكومنتات
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق