التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شبكة فى الصاغة و سر ال 24 سنة (الفصل الثاني)

 


💍 الفصل الثاني: "في ايدي الكلبشات"

الناس اللي في شارع فرنسا كانوا واقفين يتفرجوا من برة الزجاج الفاخر لمحل الصاغة، زحمة الشارع كله اتجمعت على المشهد كأنه مشهد سينما!
 أمي كانت ماسكة في إيدي وهي بترتعش بانهيار ودموعها بلت هدومها، وأنا واقفة في نص المحل مش حاسة بجسمي، حاسة إن الهواء اتقطع عن صدري من الصدمة. أحمد ادانا ضهره وخرج مع أمه بسرعة، وسابني قدام الاتهام الرخيص ده من غير حتى ما يلتفت وراه أو يدي لنفسه فرصة يفهمني.. في لحظة واحدة، كل وعود الحب والسند المترصصة في الشهور اللي فاتت بقت هباءً منثوراً.

ما كملناش عشر دقائق، وكانت سرينة عربية البوليس بتهز الشارع والصدى بتاعها بيرن في جدران المحلات. دخل المحل رجل شرطة في التلاتينات من عمره،
 ملامحه جادة جداً، نظراته هادية ومصممة ومش بتتحفز بسهولة، واسمه الرائد "حسام". كان معاه اتنين أمناء شرطة ضخام، ووجودهم حوّل المكان لساحة تحقيق رسمية.

صاحب المحل، الحاج رشدي، استقبله بلهفة وشاور عليا بنبرة مليانة تشفي وثقة:

– "يا حسام باشا، المتهمة قدامك أهيه! دي النصابة المحترفة اللي دخلت عليا من 6 شهور، وبدلت اسورة ذهب ثقيلة بقطعة فالصو متغطية بماية الذهب.. والتسجيلات عندك أهيه مثبتة الكارثة من ألفها ليائها!"

الظابط حسام مشي ببطء، بص لشاشة المراقبة بتركيز دقيق، وبعدها لف وبص في وشي.. كانت نظراته دراسة متفحصة مش مجرد اتهام أعمى. قرب مني وقال بصوت هادي لكنه صارم ويقطع أي مناقشة:

– "البطاقة الشخصية يا آنسة.. و هتتفضلي معانا على القسم عشان نفحص البلاغ ونشوف اللي حصل."

قبل ما ألحق أمد إيدي في شنطتي وأطلع البطاقة وأنا برتعش، الأمين اللي واقف ورا الظابط قرب مني وفرد الكلبشات الحديدية.. صوت طقطقة الحديد وهو بيقفل على معصمي كان أشد وأقسى لحظة كسر حسيت بيها في حياتي كلها!
 حسيت إن كرامتي وسمعتي وكل حاجة حلوة بنيتها بتموت في اللحظة دي، وإن قلبي هو اللي اتكلبش مش إيدي. صرخت أمي بصوت يقطع القلب وهي بترمى على رجل الظابط:
 "بنتي مظلومة يا باشا! بنتي ما تسرقش والله العظيم.. بنتي ما دخلتش شارع الصاغة ده قبل كده ولا تعرف طريق للذهب!".

الظابط ما اتكلمش، وشاور للأمين يسحبني لبرة. خرجت من المحل والحديد في إيدي، وعيون مئات الزباين والبياعين في الشارع بتاكل في لحمي بنظرات الاتهام والقرف.. أمي كانت ماشية ورايا بتتعثر في خطوتها وبتبكي بصوت سمع الشارع كله، وأنا ساكتة تماماً، دموعي محبوسة في عيني وجسمي متلج.

وصلنا قسم الشرطة.. الجو جواه يكسر النفس. ريحة الصاج والسجاير والأوراق القديمة مليانة المكان، وصوت الحركة والزعيق والكلبشات يرن في كل زاوية. اتسحبت لغرفة التحقيق الخاصة بالرائد "حسام"، وقفت قدام المكتب وأمي جنبي بتفرك إيديها المرعوبة ودموعها مش راضية تقف ولا ثانية.
الظابط قعد ورا مكتبه الخشبي العريض، حط إيده على خدّه وسند كوعه على المكتب، بص لأمي ونورها بتركيز وقارئ ممتاز للبشر، وقال بنبرة عملية خالصة:

– "يا حجة.. أنا كظابط عدى عليا كتير شايف حالتكوا، وشايف إن البنت شكلها من عيلة طيبة ومش بتاعة مشاكل ولا ليها سوابق، بس أنا قدامي فيديو وتسجيل محرر ومحضر وراجل جوهرجي كبير بيقول أقواله بالدليل.. القانون مبيتعاملش بالدموع والمشاعر، بيتعامل بالأدلة الملموسة. لو عندك كلمة واحدة قانونية تفيد بنتك أو تثبت براءتها قوليها حالاً قبل ما أعرضها على النيابة بتهمة السرقة والنصب."

أمي أخدت نفس عميق ومرعوب، قربت خطوة من المكتب، وبصت للظابط بثبات غريب ومرعب فجأة.. ثبات خرج من وسط الركام والانهيار، وكأنها قررت تنبش القبر اللي دفنت فيه سرها من سنين:

– "يا باشا.. اللي في الفيديو دي مش بنتي نورهان اللي واقفة ومتبلشين إيديها بالحديد.. دي أختها التوأم!"

أنا نفسي لفيت بوشي لأمي وصرخت بصوت مخنوق وذهول يدوخ:

 "ماما! أنتِ بتقولي إيه في وسط المصيبة اللي انا فيها دي؟! أخت مين وتوأم مين؟! مانا طول عمري ماليش إخوات نهائي! أنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!".

أمي حطت إيدها على بوقها وهي بتعيط بحرقة وتقطع في كلامها، ولفت للظابط وقالتله بنبرة مليانة حسرة وندم هزت الأوضة:

– "أنا خبيت عليها طول عمرها يا باشا عشان ما أحرقش قلبها وعشان أربيها في هدوء.. من 24 سنة، أنا ولدت توأم بنات في مستشفى عام.. نورهان وأختها. أبوها الله يرحمه كان شغال في المقاولات، وكان بينه وبين واحد منافس شرس وشغال في البناء خصومة كبيرة و كان بيحاول يأذينا في أكل عيشنا. المنافس ده هدد أبوها يحسره على اعز ما يملك، وبعد الولادة بيوم واحد بس وهي في الحضّانة.. أختها التوأم اتخطفت من المستشفى !"

أمي كملت كلامها وهي بتفرك المنديل الورق في إيدها لحد ما اتقطع:

– "أبوها قلَب الدنيا وعملنا محضر رسمي وقتها، والشرطة دورت في كل مكان لكن اللي منه لله خباها بذكاء ومحدش وصل لحاجة.. أبوها جاتله جلطة ومات بحسرته بعد سنتين من التدوير واللف، وأنا ربيت نورهان لوحدي ودفنت السر ده جوايا وعشت بحسرتي طول العمر وقولت خلاص البنت ماتت ولا راحت في طريق مالوش رجعة.. لحد ما شفت الفيديو النهاردة في المحل!"

الظابط "حسام" سكت لحظات طويلة.. الأوضة كلها سكتت. هو كظابط تحريات متمرس متعود على المتهمين وأهاليهم اللي بيألفوا سيناريوهات وأفلام عشان يهربوا من الجريمة، بس نبرة الأم والتفاصيل المحددة برقم السنة والاسم والوظيفة خلته يحس إن فيه خيط حقيقي ورا الكلام ده، وأن نظرة نورهان المذهولة تأكد إنها فعلاً ما كانتش تعرف حاجة عن الموضوع ده نهائياً.

الظابط حرك سماعة التليفون اللي على مكتبه، واستدعى أمين الشرطة وقال له بصوت حاسم:

 "انزل الأرشيف القديم فوراً، هاتلي ملف القضايا المقيدة ضد مجهول لسنة 2002.. واستعلملي عن بلاغ خطف طفلة باسم المواطن (محمد العفيفي)"

مرت ساعتين كاملين.. ساعتين كان كل ثانية فيهم بتعدي عليا وعلى أمي زي السكينة في القلب. أنا كنت قاعد على الدكة الخشب والكلبشات في إيدي، محتارة بين مصيبتي في تهمة السرقة وبين الذهول من السر اللي أمي مخبياه عني طول حياتي!

وفجأة.. فتح الأمين الباب، ودخل وماسك في إيده ملف أصفر قديم ، حطه باحترام قدام الظابط.

الظابط حسام مسك الملف، فتح الأوراق الصفراء المتهالكة، وقرأ المحضر بتركيز شديد وهو بيمشي صوابعه على السطور.. وفجأة رفع عينه وبص لأمي ونورهان وقال بجدية شديدة:

– "المحضر موجود فعلاً.. ومقيد ببلاغ خطف طفلة توأم من الحضّانة برقم 3254 لسنة 2002، والتحريات زمان أثبتت إن الطفلة اختفت في ظروف غامضة وتوقف البحث لعدم وجود أدلة!".

هنا تبدلت طريقة شغل الظابط حسام تماماً! التكتيك بتاعه اتغير 180 درجة من "استجواب متهمة بالسرقة" لـ "تحقيق مكثف في قضية خطف وإعادة تتبع خيط مجرم بعد 24 سنة".
فك الظابط الكلبشات من إيدي فوراً، وقعدني على الكرسي قدامه، وبدأ يشتغل بتكتيك أمني عالي جداً:
– طلب فوراً تفريغ كاميرات الشارع والمحلات المجاورة لمحل الصاغة في اليوم اللي حصلت فيه السرقة من 6 شهور.
– عمل تتبع زمني (Timeline) لخط سير البنت الظاهرة في الفيديو: أخد رقم التاكسي اللي البنت ركبته بعد ما خرجت من الصاغة من كاميرات الشارع الجانبي.
– جابوا السائق عن طريق موقف السيارات، والسائق إفاد بأنه نزل البنت في منطقة عشوائية معينة ومشهورة على أطراف الجيزة.
– بدأ الظابط يبعت فريق تحريات سري للمنطقة دي يسأل عن البنات المشبوهات اللي ليهم نفس السن والشكل.
بعد 3 أيام كاملين من البحث والتحري المتواصل والضغط الأمني، الظابط حسام استدعانا تاني في مكتبه بالقسم.. كان قدامه ملف جديد خالص، وبصلي بابتسامة هادية وواثقة وقال:

– "احنا فحصنا المنطقة.. ووصلنا للبنت اللي في الفيديو.. البنت دي معروفة هناك باسم 'ياسمين'، وشغالة مع شبكة نصب وتزوير ذهب.. وإحنا حددنا المكان اللي بتتأوى فيه وقوة المباحث رايحة تقبض عليها حالاً!"

شهقت أمي بحرقة وبكت وهي بتقول: 
"يا ترى عايشة إزاي يا بنتي.. يا ترى جرى لك إيه في الدنيا دي من غير أم ولا اب يحموكِ؟!"

يتبع .....

هستنى اراءكم فى الكومنتات

لمتابعة القراءة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أم بالروح (الفصل الثاني)

  الفصل الثاني: "حبل الكذب القصير" وقفت اللحظات بينهم كأنها سنين.. شريف واقف في نص الصالة، عينيه رايحة جاية بين الظرفين اللي مرميين على الترابيزة الخشبية وبين وش مريم اللي كان زي الصخر. الملامح اللي كانت دايماً هادية ودافية، بقت دلوقتي كتلة واحدة من الغضب والشك. حلقوم شريف اتحرك بصعوبة، ووشه اللي اتقلب لونه للرمادي بدأ يرجع له الدم بالتدريج، بس كانت الدورة الدموية شايلة معاها توتر ورعب واضحيين. حاول يبتسم ابتسامة باهتة، واحدة من الابتسامات اللي كان دايماً بيمتص بيها غضب مريم في المشاكل العادية، بس المرة دي الابتسامة طلعت مشوهة وغريبة. "مريم.. أنتِ أكيد بتهزري أو أعصابك تعبانة من الشغل، صح يا حبيبي؟"  قال شريف بصوت حاول يخليه متزن، وخد خطوة ناحيتها وهو بيمد إيده بالراحة ناحيتها "تحليل إيه ده و كلام إيه اللي بتقوليه؟ أحمد مين اللي مش ابنك؟ أنتِ اتجننتي يا مريم؟ ده ابننا اللي خلفناه بعد عذاب خمس سنين دكاترة وعلاج!" "خليك مكانك .. إياك تقرب مني!" صرخت مريم بالعبارة، والصرخة كانت طالعة من حنجرتها زي السكين. رجع شريف إيده بسرعة خطوة لورا، كأنه اتلسع من...

أم بالروح (الفصل الاول)

  الفصل الأول: "ندبة على الورق" "انا اسفة يا مدام، بس تحاليل الحمض النووي طلعت سليمة و بتطابق نفس نتيجة التحليل السابق .. مفيهومش اي غلطة ... الطفل ده مش ابنك، ولا حتى يقرب لك من بعيد!" كانت الكلمات دي بتتردد في أذن "مريم" زي طنين مكتوم، صدى ملوش بداية ولا نهاية. عينها كانت مثبتة على ورقة التحليل البيضا اللي بين إيديها، الحروف السودا الصغيرة المطبوعة فوقها كانت حاسة إنها بتتحرك وبترقص قدام عينيها.  صوابعها كانت بتترعش بدرجة خلت الورقة تعمل صوت خروشة مكتوم في هدوء معمل التحاليل الضيق. الدكتورة سمر، اللي كانت قاعدة قدامها ورا المكتب الخشبي الكبير، عدلت نظارتها الطبية ولفت وجهها بعيد لحظة، كأنها بتتهرب من الشحنة النفسية المرعبة اللي ملت الأوضة. "دكتورة.. أنتِ بتقولي إيه؟"  نطقها مريم بصوت واطي جداً، كأن الصوت طالع من بئر مهجور  "أنتِ أكيد غلطانة.. ده أحمد.. أحمد ابني اللي ولدته من خمس سنين، أحمد اللي سهرت جنبه الليالي، اللي شيلته على إيدي وهو لسه حتة حمرا صغيرة.. أنتِ فاهمة أنتِ بتقولي إيه؟" تنهدت الدكتورة سمر بعمق، وسندت إيديها الاثنين عل...

أم بالروح (الفصل الثالث)

  الفصل الثالث : مرارة الحقيقة ساد صمت جاف في الصالة، صمت تقيل أوي وصعب أي بني أدم يستحمله. كانت الحاجة صفاء واقفة مكانها قريبة من الباب، عينيها مبلمة في المظروفين اللي على الترابيزة، ووشها اللي كان دايماً يتسم بالحب والابتسامة الأمومية، بدا وكأنه بينكمش ويولع بالخوف لأول مرة. "سر إيه يا مريم؟" قالت الحاجة صفاء بنبرة حاولت تخليها ثابتة، بس الرعشة الخفيفة في صوتها فضحتها. كملت وهي بتحاول تداري توترها:  "أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟ استعذي بالله كده.. الولد جاي من الحضانة تعبان، شيليه غديه و..." قاطعتها مريم في ثواني، ولفت لأحمد وبصت له بحنان مكسور وطلبت منه يدخل أوضته يلعب، ولما الباب اتقفل، لفت لعدوزتها وردت عليها بصوت زي الشرارة في أوضة مليانة غاز: "الولد مش ابني يا حاجة!" قطعت كلامها بالصرخة المكتومة دي، وعينيها بتثقب وش حماتها بصورة مباشرة، وكملت بصوت بيرتجف من القهر: "التحليل قدامي اهو.. الـ DNA بيأكد إن أحمد مالوش أي صلة جينية بيا، بس من صلب شريف! شريف اللي خبى عليا 5 سنين كاملين.. شريف اللي لبسني طفل مش من بطني وعيشني في كذبة كبيرة! قولي لي أنتِ يا ...