الفصل الثاني: "حقيقة مدفونة من 25 سنة"
الصالة بعد الكلمة دي كانت هادية بشكل غريب.
القرايب اللي كانوا قاعدين يزغردوا ويشربوا الشربات انسحبوا واحد ورا التاني بوجوه متخشبة ونظرات ذهول.
الكل خرج يهمس في السر، وسابوني واقفة في نص الصالة، بين ست ربتني وهي بتكره وجودي، وست ولدتني وهي بتكره اليوم اللي جيت فيه للدنيا.
أمي هدى قعدت على الركنة، حطت إيدها على ركبتها وبدأت تهز جسمها لقدام وورا، العادة بتاعتها لما تكون محتارة أو شايلة غل سنين.
خالتي سحر كانت لسه على الأرض، دموعها نازلة من غير صوت، كأن الدموع دي هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلة لها من روحها.
أنا مشيت خطوتين، ركبي كانت بتخبط في بعضها، وقعدت على الأرض قدام أمي هدى.. مسكت أطراف جلابيتها وبصيت في عينها وصوتي طالع بالعافية:
«أنا طول عمري حاسة إن فيه حاجة غلط.. بس عمري ما تخيلت إنك ممكن تقوليلي الكلمة دي. اتكلمي يا أمي.. قصدي يا هدى.. فهميني إيه اللي حصل؟ ومين أنا أساساً؟».
أمي هدى بصتلي، ولأول مرة أشوف في عينها ميكس غريب بين الشماتة والانكسار. ضحكت ضحكة مكسورة وقالت:
«عايزة تعرفي؟حاضر هقولك.. أصل المستور خلاص اتكشف، والست الخضرة الشريفة اللي قاعدة تبكي هناك دي لازم تشيل القناع عن وشها قدامك. أبوكي الله يرحمه مات و منطقش بكلمة ، بس أنا مش هموت قبل ما تعرفي أصلك!».
أمي هدى رجعت بضهرها لورا، وبصت للسقف كأنها بتفتش في دفتر أسود قديم، وبدأت تحكي بقلب مليان غل:
«من 25 سنة، كنا عايشين في نفس المنطقة دي. بيت بسيط وأب شقيان.. أنا كنت الأخت الكبيرة، مش وحشة بس عادية، مليش في الجرأة ولا في لفت الأنظار. و سحر.. الأخت الصغيرة اللي ربنا أداها جمال يخطف العقل، وكانت دايماً بتخطف الضوء مني في كل حتة.
كان فيه شاب ابن ناس مرتاحة، ساكن في الشارع اللي ورانا.. وسيم وطموح وكل بنات المنطقة يتمنوا بس نظرة منه. أنا بصراحة كنت معجبة بيه وميالة له من كل قلبي، وهي كانت عارفة كدة كويس! بس هي مهتمتش بده و هونت عليها، كانت بتتدلع وتبلفه بالكلام وتعمل نفسها مش مهتمة عشان تعلّقه بيها أكتر.. لحد ما راحت معاه شقته و حصل اللى خلى سمعتنا كلها فى الطين ».
هنا.. خالتي سحر اتفضت من مكانها كأن ثعبان قرصها! وقفت على حيلها وصوتها طلع زي السكينة المقطوعة، بتصرخ في وش أمي هدى بكل طاقة المظلوم:
«كذابة! كذابة ومغلولة مني من زمان يا هدى! أنتِ بتتبلي عليا قدام بنتي عشان تداري على كرهك وغلك؟
أنا عمري ما مشيت شمال، ولا عمر عينيا راحت لراجل! أنا كنت عارفة إنك ميالة له و هتموتي عليه، ووالله العظيم ما كنت بدي له وش، وكنت بصدّه وأقفل في وشه السكة احتراماً ليكي ولمشاعرك! هو اللي كان بيجري ورايا زي المجنون وأنا ببعد عنه! يومها استدرجني وضحك عليا بروشتة دوا لماما الله يرحمها كنت دايخة عليه وقال إنها عنده مامته في الشقة.. ولما دخلت، خدرني وغدر بيا! اعتدى عليا و دمر حياتي وأنا عيلة عندها 18 سنة ما تفهمش حاجة في الدنيا!».
أمي هدى اتوترت ووشها احمر، بس كملت هجومها بحدة:
«ولما الجريمة حصلت والراجل ده مات في حادثة عربية قبل ما العيلة توصل له.. عملتي إيه؟ أهلي اتكتموا على الموضوع عشان السمعة، وأنا وجوزي الله يرحمه أخدنا نتيجة غلطتك وعشنا بيها! أنتِ هربتي على إسكندرية وعشتي هناك براحتك و دورتي على حل شعرك وبقيتِ تعملي فلوس وتحطي القرش على القرش ماهو محدش مركز معاكي بقى و دلوقتي جاية تتفضلي علينا بيهم!».
خالتي سحر قربت منها خطوة، إيدها بترعش ودموعها نازلة زي النار، بس عينها فيها تحدي وشرف يعري كذب أمي هدى:
«على حل شعري؟! أنتِ بتغلطي في شرفي يا هدى عشان تكسريني؟ أنا لما سافرت إسكندرية هربت من كرهك ومن عينيكي اللي كانت دايما بتاكلني و بتتشفى فى اللي حصلي ! اشتغلت كذا شغلانة و طلع عيني و اتهبدلت بعد ما كلكم اتخليتو عني ، ليل نهار شغل و بس عشان انسى و اعرف اكمل، عملت اسمي وشغلي بفلوس حلال من عرق جبيني! من يوم اللي حصل ده، ما فيه راجل على وجه الأرض لمس طيفي ولا دخل حياتي! عشت شريفة بشتغل بلقمتي، والفلوس اللي معايا دي تمن شقايا وتعب سنين.. مش فلوس مشبوهة زي ما بترميني يا مريضة!».
الصالة كأنها كانت ساحة حلبة.. وأنا واقفة في النص مش مصدقة حجم الظلم والافتراء اللي كان مستخبي.
خالتي سحر لفت وشها ليا، وجت قعدت على الارض قدامي، مسكت إيدي الاتنين وبكت بكاء يقطع القلب:
«يا يارا.. افهميني يا بنتي. لما الحادثة دي حصلت، أنا كنت عيلة متدمرة ومصدومة.. والدكاترة قالوا لو البيبي نزل أنا هموت لأن كان فيه خطورة على حياتي. ولما اتولدتي.. أنا كنت شايفة فيكي المأساة اللي كسرتني، كنت خايفة عليكي من نفسي ومن كلام الناس.
أختي هدى مضحتش زي ما بتقول عشان خاطري و لا عشان العيلة لا دي استغلت إن جوزها الله يرحمه ما ببيخلفش، وإن العيلة متكتمة، وأخدتك تسجلك باسمها، و كانت فاكرة إنها بتاخد حجة تكسر بيها مناخيري طول العمر!
أنا هربت عشان أقدر أقف على رجلي.. ولما كبرت وقدرت أكون نفسي، فوقت و رجعت عشان أعوضك عن كل نقطة جفا وقسوة هدى عيشتك فيها.. أنا ما جيتش أسرقك منها، أنا جيت أحميكي منها ومن غلها!».
أمي هدى وقفت، وبصتلي بنظرة كلها قسوة، وقالتلي ببرود مرعب:
«أنا وجوزي الله يرحمه ربيناكي وسجلناكي باسمنا وسترنا عليكي وعلى أمك اللي عاملة نفسها قديسة.. عايزة تروحي معاها وعجبك كلامها؟ روحي! بس افتكري إن الست دي سابتك زمان ولما بقيتي عروسة خلاص جاية تشتريكي بفلوسها!».
أنا كنت قاعدة على الأرض.. حاسة إن الدنيا بتتسحب من تحت رجلي.
المأساة مكانتش مجرد سر اتكشف.. المأساة إن حقيقة ولادتي كانت غدر راجل، وتكتم عيلة، وغيرة أخت كانت بتكره أختها وبتمارس القسوة عليا طوال 25 سنة تحت مسمى "الستر".
وفي لحظة الخرس دي.. موبايلي رن في جيب الروب بتاعي.
شاشة الموبايل منورة باسم (طارق) خطيبي.. اللي فاضل على كتب كتابي عليه 3 أيام.
رفعت الموبايل بإيد بترعش.. والدموع مغرقة وشي.. وما عرفتش أقول إيه ولا أرد إزاي!
يتبع .....
هستنى اراءكم فى الكومنتات :)
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق