الفصل الأول: "حنية من ورا القلوب"
طول عمري بحس إن فيه حاجة مش مظبوطة في بيتنا.
أمي (هدى).. لو ينفع أسميها أمي بالطريقة التقليدية اللي البنات بيحكوها عن أمهاتهم. أمي ست حادة، ملامحها دايماً مشدودة كأنها داخلة خناقة، ونظرتها ليا كانت دايماً عبارة عن علامة استفهام كبيرة. طول عمري بشوف في عينها نظرة جافة، جدار شفاف بس سميك جداً محطوط بيني وبينها. كانت بتطبخ، بتغسل، بتشتريلي لبس المدرسة، بتعمل كل الحاجات اللي المفروض أي أم تعملها من ناحية الواجب والالتزام.. بس من غير روح. من غير الحضن اللي بيداوي، من غير الطبطبة اللي بتقول "أنا هنا". كانت بتعاملني زي ما تكون بتسدد دين تقيل على قلبها ونفسها الدين ده يخلص بأي طريقة.
وفي الناحية التانية خالص.. كانت خالتي (سحر).
خالتي سحر دي كانت حاجة تانية. ست جميلة بزيادة، جمال يوجع العين، حتى وهي تكبر في السن كان لسه فيها حلاوة ورقة تخطف الأنظار أول ما تدخل أي مكان. كانت عايشة في إسكندرية، مطلقة ومعندهاش عيال. بس من يوم ما وعيت على الدنيا، وخالتي سحر دي هي الشباك اللي بتنفس منه. على جول على تليفونها معايا يومياً، بتسأل عن أكلي وشربي ونومي، وفي كل مناسبة تجيلي بالشنط والهدايا.
لما نجحت في الثانوية العامة، أمي هدى قالتلي بكل جفاء:
«مبروك، شوفي بقى هتتدخلي كلية إيه عشان تخلصي».
في نفس اليوم، خالتي سحر جابتلي أحدث موبايل في السوق وطلعت من شنطتها ظرف فيه مبلغ محترم وقالتلي ودموعها في عينها:
«ده عشان تجيب كل اللي نفسك فيه يا حبيبة قلبي.. أنتِ بنتي اللي مخلفتهاش».
الكلمة دي كانت بتعدي عليا زمان عادي، أقول ست حنينة وربنا ما رزقهاش بعيال فبتعوض حنيتها فيا. بس الكلمة دي كانت بتنزل على أمي هدى زي الملح على الجرح! كنت بشوف وش أمي بيتحول، وعينيها بتطق شرار، وبدل ما تشكر أختها، كانت بتاخد الظرف وترميه على الترابيزة وتقول بأسلوب يقطر سم:
«ما فيش داعي للمنظرة دي يا سحر.. البيت فيه خير وأبوها مش مخلّي في نفسها حاجة. شيلِ فلوسك لنفسك، محدش طلب منك حاجة».
خالتي سحر كانت بتبص لها بنظرة كسرة غريبة، تبص للأرض وتسكت، وتبصلي أنا بحنية وتطبطب على إيدي وتقول:
«سيبك منها يا يارا.. أنا خالتك، واللي بيني وبينك محدش له دعوة بيه».
الموضوع زاد عن حده وخنقني تماماً لما جالي (طارق) واتخطبنا وبدأنا نجهز للفرح.
المفروض إن تجهيز العروسة ده أسهل وأسعد وقت بين الأم وبنتها، بس عندي أنا كان كابوس. أمي كانت بتنزل معايا المحلات كأنها مجبورة، تبص على الطقم أو الجهاز وتقول ببرود:
«بلاش الغالي اوي ده ، كله هيتركن في الآخر».
ولما أزعل وأتصل بخالتي سحر وأحكيلها وأنا بعيط، كانت تسيب إسكندرية وتجيلي القليوبية مخصوص ثاني يوم الصبح!
تنزل معايا أكبر المحلات، تدفع هي كاش من جيبها و تضحك وتقولي:
«أنا اللي هجهزك يا يارا، أحسن جهاز في العيلة دي كلها لازم يكون بتاعك أنتي .. ده أنتي ست البنات».
الخناقات بين أمي وخالتي بقت على كل حاجة و اي حاجة. أمي كانت شايفاها بتشترينا بفلوسها، وكانت بتستغل أي فرصة عشان تكسر فرحتي أو تضايق خالتي.
لحد أسبوع الفرح.. كان فاضل 3 أيام بس على كتب الكتاب.
الصالة عندنا كانت زحمة، قرايبنا من ناحية الأب جايين يباركوا و ضيوف من ناحية طارق ، والشنط والكراتين متلتلة في كل حتة.
خالتي سحر كانت واقفة بتراجع قايمة المشتريات، وجابت صندوق قطيفة أحمر صغير، فتحته وطلعت منه غوايش ذهب تقيلة جداً وطقم سويسري فاخر، وقالت بصوت عالي قدام القرايب كلهم:
«دي هدية مني لـ يارا حبيت ألبسهالها بإيدي قبل كتب الكتاب، عشان محدش يقول إن بنتنا ناقصها حاجة».
الناس كلها شهقت وقالت
«ما شاء الله»،
وخالتي كانت طايرة من الفرحة وهي بتلبسني الغوايش في إيدي.
أنا بصيت لأمي عشان أشوف رد فعلها، لقيتها واقفة عند باب المطبخ، ماسكة الفوطة في إيدها، ووشها أحمر من الغضب بشكل يرعب! عينيها كانت مليانة كره.. كره صريح ومش مفهوم لست بتساعد أختها و بتجهز بنتها!
أمي قربت خطوتين بالراحة، والناس كلها سكتت لما حسوا إن فيه حاجة غلط في الجو. أمي بصت للصندوق الذهب، وبعدين بصت لخالتي سحر، وقالت بصوت واطي بس بيرن في الصالة كلها:
«شيلِ زبالتك دي يا سحر.. البنت مش محتاجة صدقة من حد، ولا محتاجة فلوسك المشبوهة دي تخش بيها بيتها!».
الصالة كلها اتخرست. خالتي سحر اتسمرت مكانها، ووشها أصفر، وقالت بصوت بيترعش:
«فلوس مشبوهة إيه يا هدى؟ أنتِ جرى لعقلك حاجة؟ أنا بجهز بنتي.. قصدي بجهز بنت أختي!».
أمي ضحكت ضحكة عالية، ضحكة شريرة ومليانة غل، ورفعت إيدها وشاوريت على وش خالتي وقالت بعلو صوتها قدام القرايب اللي قاعدين فاتحين بوقهم:
«بنتك صح؟ أيوة قوليها! قوليها وما تتكسفيش! جاية بعد 25 سنة تمثلي دور الأم الحنينة اللي بتوزع فلوسها؟ جاية تاخديها مني على الجاهز بعد ما شيلت قرفك وداريت عارك؟».
أنا جسمي كله قشعر، الغوايش الذهب وقعت من إيدي على السيراميك وعملت صوت يرن في العضم.
أمي قربت من خالتي أكتر وصرخت في وشها:
«نسيتي يا سحر لما جيتيلي راكعة وبتعيطي وعايزة ترميها في أي مصيبة لما كنتي عايزة تنزليها عشان تخلصي من الجريمة؟ نسيتي لما أخدتها منك وسجلتها باسمي وعشت طول عمري ماسكة النار بإيدي عشان أحمي اسم العيلة اللي أنتِ مرغتيه في الطين؟ جايالنا النهاردة تلعبي دور الست الشريفة اللي بتصرف على بنتها؟».
خالتي سحر وقعت على كرسي الصالون وهي بتشهق في البكاء، حطت إيدها على وشها ومش قادرة تتنفس.
وأنا.. أنا كنت واقفة في نص الصالة، حاسة إن السقف هيقع عليا ، الأرض بتلف بيا، وصوت أمي هدى لسه بيرن في ودني كأنه طلق ناري:
"أنا اللي شيلت قرفك وداريت عارك.. زبالتك دي مش بنتي!".
بصيت لأمي، وبعدين بصيت لخالتي اللي بتعيط بكاء هستيري.. ومسكت إيد أمي وهزيتها بغضب ورعب:
«يعني إيه؟ اتكلموا!! يعني إيه أنا مش بنتك؟ يعني إيه عار؟ إنتوا بتقولوا إيه!!».
أمي بصتلي بنظرة عمرها ما بصتهالي قبل كده رغم كل القسوة و الجحود اللي شوفتهم منها .. نظرة مجردة من أي رحمة، وقالتلي بكل هدوء مرعب:
«تعالي يا يارا.. تعالي أما أقولك أصلك إيه، والست اللي بتعشقيها دي عملت إيه زمان عشان تطلعك للدنيا!».
يتبع .....
هستنى اراءكم فى الكومنتات
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق