الفصل الأول: غبار فستان الزفاف
فستاني الأبيض بيتجر في الطين، وكعبي مكسور ومرمي ورايا في السكة.. أنا العروسة اللي هربت يوم فرحها، ومش ندمانة، أنا بس بجري عشان ألحق اللي فاضل من عمري، ومن كرامة الراجل اللي ظُلم طيلة حياته.
مش قادرة أخد نَفَسي، حاسة إن صدري بيحترق وطبول الحرب بتدق جوة رأسي. كل خطوة باخدها بتبعدني عن القاعة الشيك، و عن المعازيم، وعن أكبر كذبة عشتها في حياتي لـ 24 سنة. الدانتيل بتاع الفستان التقيل بيتقطع تحت رجلي الحافية، وشعري اللي قعدوا 4 ساعات يظبطوا فيه اتفك بالكامل، نازل على وشي مبلل بالعرق والدموع.
أصوات الصراخ ورايا كانت لسه بتوصلني، صوت "عمر" عريسي بيصرخ بقلة حيلة و حرقة :
"سارة! اقفي! انتي اتجننتي؟! الناس كلها بتتفرج علينا!"
التفتّ ابصله بصة سريعة وأنا بلهث.. شوفته بيجري ورايا ببدلته التوكسيدو، وشفت مئات الموبايلات مرفوعة في الهوا، وفلاشات الكاميرات بتضرب في عيني وسط الضلمة.. كلهم بيصوروا "فضيحة العروسة الهربانة".
يصوروا.. يتحرقوا كلهم .. ما حدش فيهم حاسس بالنار اللي بتاكل فيا.
كعب الجزمة كان اتكسر من أول سلمتين على سلم القاعة الخارجية، قلعت الفردتين ورميتهم ورايا وكملت جري حافية. أسفلت الشارع البارد كان بيجرح رجلي، الحصى الصغير يدخل في جلدي، بس وجع قلبي كان أبشع بمليون مرة.
أنا مش بهرب من عمر كشخص.. أنا بجري من العيلة اللي طلعت مجرد وكر تعابين. أنا بجري للحقيقة. للسنين اللي اتسرقت من راجل مالوش ذنب.
دخلت الحارة القديمة.. الحارة اللي كنت بمنع نفسي حتى ألف من ناحيتها لأني فاكرة إنها بيت الراجل اللي "سابنا وطفش".
ريحة الطين والبيوت الكئيبة رجعتلي ذكريات ميتة.
وصلت قدام الباب الخشبي الأخضر المتهالك.. باب بيتنا القديم.
ارتطمت بيه بجسمي كله، وبدأت أخبط عليه بكل قوتي ، وأنا بعيط بهستيريا وصوتي مبحوح وممزوق:
"افتح يا بابا.. أبوس إيدك افتح.. أنا عرفت كل حاجة.. أنا آسفة يا بابا.. افتح لي يا بابا عشان خاطر ربنا!"
سمعت صوت القفل الحديد القديم بيتحرك ببطء.. الباب اتفتح.
وقف قدامي.. الشيب كسا شعره كله، وضهره انحنى عن زمان، عينيه غارقة في الحزن والكسرة. بص في عيني ثانية واحدة بس.. لا كان فيها غضب، ولا لهفة.. كان فيها خيبة أمل كسرتني 100 حتة.
وقبل ما أقدر أمد ايدي أو أقول كلمة واحدة.. اتراجع خطوة.. وقفل الباب في وشي.
الدنيا اسودت في عيني، وانزلقت على الجدار الحجري المليان تراب لحد ما وقعت على ركبي في الطين، وفستاني الأبيض اتوسخ بالكامل و مبقاش مسموع غير صوت عياطي في الشارع الفاضي.. صوت البنت اللي اكتشفت إنها كانت السلاح اللي ضربوا بيه أبوها في قلبه.
ازاي وصلت للنقطة دي؟ و امتى اتحولت ليلة عمري من أجمل يوم في حياتي لكابوس؟
قبل الساعتين دول بس، كنت قاعدة في جناح العروسة بالفندق الأفخم في المدينة. الميك اب أرتست بتظبط أخر لمسات، وأمي واقفة ورايا بالروب اللي بتجهز بيه وابتسامتها المليانة غرور ورضا، و"عمي طارق" – شريك أبويا القديم – واقف عند الباب بيبصلي بفخر وبيقول:
"أنا الحمدلله وفيّت بوعدي يا سارة.. حافظت عليكِ وعلى أمك وعلى شغل أبوكي بعد اللى عمله، والنهاردة اخيرا بشوفك عروسة لابني عمر."
كنت بصالهم بامتنان شديد. طول عمري بشوف "عمي طارق" ده المنقذ.. الراجل الطيب اللي شالنا لما أبويا "نديم" فجأة اختفى و خرج من حياتنا و اتخلى عننا وما سألش فينا. كنت بشوفه الأب الروحي اللي بنالي مستقبلي وكبرني لحد ما بقيت مهندسة ناجحة، ولما عريسي "عمر" ابن طارق طلب إيدي، وافقت وأنا حاسة إن ده رد الجميل للراجل اللي صاننا.
لكن القناع الزائف ده سقط في دقيقة واحدة.. دقيقة ملعونة.
قبل كتب الكتاب بساعة، وأنا قاعدة مستنية المأذون، افتكرت إن تليفوني سيبته في الأوضة الملحقة ب جناح أمي. قمت بشويش، وسحبت الفستان التقيل ومشيت في الممر الهادي بتاع السويت الفندقي.
وصلت قدام باب الأوضة، وكنت لسه هحط إيدي على المقبض، بس سمعت أصوات جاية من جوة.. أصوات مش مفروض أسمعها. الباب مكنش مقفول بالكامل، كان موارب ..
سمعت صوت أمي.. صوتها اللي طول عمرها بيبان فيه الرقة والعفاف، كان طالع بنبرة ضحك خبيثة و لئيمة :
"اهدى يا طارق.. البنت برة، والمأذون على وصول. بلاش حركاتك دي دلوقتي"
وجاء صوت طارق.. نبرته مكنتش نبرة "العم الحنون" اللي عرفتها طول عمري، كانت نبرة راجل ولهان وفي حالة قذارة غير مشروعة :
"ومالها البنت بس؟ البنت جوة بتتجهز، وأنا بقالي سنين مستني اليوم اللي أدخل فيه ابنك وابنتك في قفص واحد عشان القصة تقفل تماماً.. تعالي هنا بس، إنتِ وحشتيني، ولا فاكرة إن عشان كتب كتاب عيالنا النهاردة خلاص هنسى اللي كان بيننا من زمان؟"
أنفاسي اتجمدت في صدري. إيديا وقفت على المقبض و عينيا اتسعت وأنا باصة من الفتحة الصغيرة.. شفت أمي واقفة في حضنه، بيضحكوا ضحكات مكتومة ومقرفة، إيديه بتلتف حولين وسطها بطريقة مش المفروض تتلف غير بين زوج وزوجته!
وبعدين سمعت الكلام اللي سمرني مكاني
أمي قالت وهي بتبعده بابتسامة دلع:
"طارق بجد اهدى.. إحنا ما صدقنا نديم يغور في داهية زمان وما يعرفش طريقنا، وما صدقنا أقنعنا سارة إنه هو اللي سابنا وطفش عشان تكرهه وما تفكرش تدور عليه. البنت لو حسّت بلحظة انه كان مسجون و إننا اللي ملفقين له قضية التزوير والاختلاس زمان عشان ناخد منه الشركة ونفضى لبعض، هتخرب الدنيا!"
طارق ضحك بصوت واطي وممتلئ بالشر:
"تخرب إيه يا هبلة؟ سارة خلاص في جيبنا.. سارة متبرمجة ومقتنعة إن أبوها ندل. وبعد ما تمضي عقد الجواز من عمر ابني النهاردة، كل الأسهم والورث اللي باسمها هينتقل قانوناً لإدارة شركتنا برغبتها.. نديم خرج من السجن مكسور وجالي لحد عندي يترجاني يشوف بنته، وأنا هددته ورميته برة الشركة وقلت له لو قربت منها هفضحك وأقول لها إنك رد سجون.. الراجل بيموت بالبطئ خلاص يا سوسو، واللعبة خلصت لصالحنا!"
في اللحظة دي.. حسيت كأن السما انطبقت على الأرض.
ودني كانت بتسفر.. صوت زنين عالي غطى على كل حاجة. عقلي مش قادر يستوعب.. أمي؟ وعمي طارق؟
العلاقة الخفية المقرفة دي بقالها سنين؟
أبويا ما طفش؟ أبويا مكنش مجرم؟
أبويا اتسجن ظلم ومظلوم بسببهم هم الاثنين؟
هم اللي لبسوه التهمة وسرقوا شقا عمره وسرقوا الشركة، واستغلوا صغر سني عشان يربوني على كرهه؟ وأنا.. أنا العبيطة اللي كنت بشوف طارق ده بطل، وكنت بحسب عمر عريسي هو طوق النجاة؟
تراجعت خطوتين لورا وأنا بلطش في الحيطان. دموعي نزلت سخنة بتكوي وشي. كل ذكرياتي مع أبويا وأنا صغيرة مرت قدام عيني زي الشريط.. لما كان بيشيلني على كتفه، ولما كان بيعيط وهو بيودعني قبل ما يختفي وأمي تقولي "أبوكي سابنا ومشي عشان الفلوس".. الحقيقة البشعة كانت بتصرخ جوة دماغي: أبويا اتظلم.. وأنا كنت الخنجر اللي اتغرس في ظهره.
نزلت السلم الفخم بتاع الفندق وأنا مش حاسة برجلي. كنت ماشية زي الجثة.
أمي وطارق وعمر والمأذون كانوا واقفين عند التربيزة المستديرة، المعازيم بيصفقوا، والمأذون ماسك القلم وبيقول ابتسامة:
"اتفضلي يا عروسة.. إمضي هنا "
عمر كان يبصلي بابتسامة وثقة.. ابتسامة واحد عارف إنه بياخد كل حاجة: البنت والفلوس والشركة.
أمي كانت بتبصلي بنظرة تشجيع مزيفة.
وطارق واقف وراهم، مبتسم ابتسامة النصر.
مسكت القلم.. إيدي كانت بتترعش. بصيت للورقة، وبعدها بصيت لوشوشهم.. التعابين الثلاثة اللي كانوا بيمثلوا عليّ دور العيلة.
وفجأة.. رميت القلم في وش المأذون!
الذهول حلّ على المكان. أمي شهقت، وعمر صرخ:
"سارة! في إيه؟"
ما ردتش.. لفيت ضهري، ومسكت طرف فستاني الأبيض، وبدأت أجري.. أجري بأقصى قوة عندي ناحية الباب الخارجي.. ناحية الحقيقة.. وناحية أبويا الراجل اللي ظلمته طول عمري .....
يتبع .....
هستنى رأيكم فى الكومنتات و توقعاتكم
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق