الفصل الثاني: مرارة الندم وخيوط المؤامرة
كنت لسه قاعدة على الأرض، ظهري مسنود على الجدار الحجري البارد، وفستاني الأبيض اتسخ بالكامل من طين الشارع. الدموع كانت مغرقة عينيا و بتكوي وشي، وحاسة بكسرة في قلبي بتقتلني.
كنت بصة للباب الخشب الأخضر المقفول.. الباب اللي أبويا قفله في وشي من ثواني. ما كنتش زعلانة منه، كنت زعلانة من نفسي.. أصل أنا أستاهل. أستاهل كل قسوة ورفض منه، لأني افتكرت في اللحظة دي المشهد اللي دار بيننا من ست شهور بس.. المشهد اللي عملت فيه أبشع ذنب في حياتي لما صدقت كذب أمي وطارق.
(من ست شهور)
كنت طالعة من مقر الشركة اللي بشتغل فيها، هلكانة من التعب بس حاسة بكياني ونجاحي. وفجأة، لقيت راجل راكن على جدار المبنى من بعيد.. راجل هدومه بسيطة جداً، وجهه شاحب، وظهرت عليه علامات الشقاء والتعب.
أول ما شافني، عينيه اتملت دموع، ومشي ناحيتي بخطوات مترددة وهو بيمد إيده اللي بترتعش، وصوته بيطلع بمحبة ممتزجة بالخوف:
"سارة.. يا بنتي.. أنا نديم.. أبوكي يا سارة"
أول ما سمعت الكلمة دي، الدم غلى في عروقي. كنت مقتنعة طول عمري إن الراجل ده "ندل وخاين" سابنا وطفش بالفلوس زمان ورسخ في دماغي إنه رمى مسؤوليته وما سألش عني. تراجعت لورا بنظرة كره وقرف، وزعقت فيه بصوت عالي قدام زمايلي في الشارع:
"أبويا؟! إنت بني ادم معندوش دم؟ جايب الجراءة دي منين انك تجيلي هنا بعد السنين دي كلها؟ جايلي بعد ما كبرت و فهمت اد ايه انت بني ادم غير مسئول؟"
الراجل اتصدم، عينيه اتملت حيرة ووجع قاتل، وحاول يقرب خطوة ويهدي صوته وهو بيترجاني:
"اسمعيني بس يا سارة.. والله العظيم ما سيبتك بكيفي.. أنا اتظلمت، وأمك وطارق هم اللي..."
قاطعته بقسوة وبصوت جهوري قطعت بيه كلامه:
"بس! مش عايزة أسمع منك كذب وأعذار! عمي طارق هو اللي وقف جنبنا وشالنا وصاننا لما إنت رميتنا وطفشت! إنت جاي دلوقتي ليه؟ جاي تتنعم بنجاحي وتستغلني؟ مش عايزة أشوف وشك تاني، ولو قربت مني أو من بيتنا هطلب لك البوليس!"
أبويا وقتها بصلي بذهول.. شفايفه كانت بترتعش، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة. بصلي بنظرة خيبة امل، ولف ومشي خطواته كانت بطيئة ومكسورة.. وأنا مشيت وأنا فاكرة إني انتصرت و انقذت نفسي من واحد استغلالي.
روحت البيت يومها و كان في غليان في صدري. قعدت مع أمي في الصالة و هي لاحظت حزني و غضبي و سألتني فقولت لها بنبرة غاضبة:
" اللي اسمه ابويا ده جالي النهاردة الشركة يا ماما! البني ادم ده جاي بعد العمر ده كله يقولي أنا أبوكي!"
أمي في اللحظة دي اتوترت، و لون وشها اتغير، وعينيها كانت بتتحرك بسرعة. ومن كتر الخوف والارتباك، وقعت بلسانها وقالت بغضب مكتوم:
"أبوكي؟! هو لحق يخرج من السجن وجالك على طول؟! الراجل ده ما بيحرمش!"
أنا اتجمدت في مكاني.. الكلمة وقعت عليّ زي الصاعقة:
"سجن؟! سجن إيه يا ماما؟ إنتِ مش قايلالي طول عمرك إنه سابنا وطفش برة البلد عشان يهرب من مسؤوليته والفلوس؟ هو كان مسجون؟!"
أمي أدركت الكارثة اللي نطق بيها لسانها، وحاولت بسرعة تلم الموضوع وتغير حقيقة السجن، فقالت وهي بتمثل الحزن والتوتر:
"أصل.. أصل يعني لما سابنا وطفش، اتورط في قضايا وتزوير واتسجن زمان و احنا خبينا عليكي عشان ما نجرحش مشاعرك ونحافظ على سمعتك وسط الناس.. طارق هو اللي ستَر علينا وما رضيش يعرفك عشان ما تفتكريش إن أبوكي مجرم!"
وأنا كالعادة.. غبائي وعمايا خلوني أصدق تبريرها المزيف، وافتكرت إن أبويا فعلاً مجرم ومسجون في قضية تزوير، وزاد كرهي ليه أكتر وأكتر!
رجعت للحاضر.. للشارع الفاضي والفستان الطين.
عيطت بصوت حاد وأنا بضرب على رأسي بأيدي النازفة:
"أنا الغبية.. أنا العبيطة اللي صدقت التعابين وكسرتك يا بابا.. أنا اللي ما دورتش وراهم وصدقت إنك مجرم و اتخليت عني!"
وفجأة.. سمعت صرير الباب الخشب بيتفتح تاني.
رفعت رأسي بسرعة. أبويا كان واقف عند العتبة.. عينيه مليانة بالدموع وهو يبص لمنظري المأساوي بالفستان الأبيض المليان طين ودم. ما قدرش يتحمل منظري.. قرب مني بخطوات ثقيلة، وانحنى على ركبه في الشارع، ومسد على شعري المبلل بعطف الأب اللي ما اختفاش أبداً:
"قومي يا بنتي.. قومي ادخلي جوة.. الشارع مش مكانك."
مسكت إيده الناشفة وقبلتها بلهفة وأنا بعيط بهستيريا:
"سامحني يا بابا.. أبوس إيدك سامحني! أنا سمعتهم بنفسي النهاردة في القاعة.. سمعت أمي وطارق.. عرفت إني كنت عامية و غبية و كسرتك بكلامي و معاملتي و هما .. هما كانو بيضحكوا عليا وبينهبوا شقاك!"
أبويا تنهد تنهيدة طالعة من أعمق نقطة في صدره.. تنهيدة شايلة وجع 15 سنة سجن وظلم. مسك إيدي وقومني، ودخلني بيته الصغير البسيط.
قعدني على كنبة قديمة، وجابلي كوباية مية وإيديه بترتعش. قعد قصادي، وبصلي بحزن وابتسامة مكسورة:
"أنا مزعلتش منك يوم ما طردتيني يا سارة.. أنا زعلت عليكِ. كنت عارف إنهم مضللينك، وكنت خايف أحكيلك الحقيقة ادمر حياتك وأخليكي تكرهي أمك.. قلت أسيبك عايشة في وهم نظيف، ولا إنك تعرفي إن أقرب الناس ليكي مجرمين وخانوكي"
مسحت دموعي وقلت بصوت مبحوح:
"احكيلي يا بابا.. احكيلي كل حاجة. إزاي عملوا فيك كده؟ وليه أمي وطارق عملوا الجريمة دي؟"
أبويا بص للفراغ، وبدأ يحكي ونبرته ممتلئة بالمرارة:
"زمان.. الشركة كانت ملكي أنا وطارق بالنصف. أنا كنت بشتغل في السوق والورق والتطوير، وهو كان بتاع المبيعات. أمك كانت بتضايق من شغلي عشان اخد كل وقتي. ومع الوقت، بدأت تتقرب من طارق.. وأنا كنت غبي وبثق فيهم الاثنين كأنهم روحي"
سكت ثواني يبل ريقه وكمل:
"لما بدأت أكتشف إن فيه اختلاسات في الشركة، وبدأت أشك في تصرفاتهم.. اتفقوا عليا. طارق زور توقيعي على شيكات وأوراق نقل ملكية، وأمك شهدت ضدي زور في المحكمة وقالت إنها شافتني بفرغ حسابات الشركة وبجهز للهروب! لبسوني قضية اختلاس وتزوير كاملة.. والقاضي حكم عليا بـ 15 سنة سجن ظلم."
إيدي اتجمدت وأنا بفرك في دانتيل الفستان:
"وأمي ما زارتكش ولا مرة؟"
رد بضحكة كئيبة:
"ولا مرة! قطعت الأخبار كأني موت عشان تأمن نفسها مع طارق. ولما خرجت من السجن، رحت لطارق الشركة أطالب بحقي أو حتى أشوفك.. هددني بكل صراحة. قال لي:
(البنت كبرت وبقت مهندسة، ولو قربت منها هعرفها إنك مسجون ومجرم، وهخليها تخسر شغلها وخطيبها).. خفت عليكِ يا سارة، خفت أكون العار اللي يخرب حياتك."
وقفت وأنا مش قادرة أستوعب كمية الشر:
"وعشان كده لما جيتلي الشركة وصرخت فيك.. سكت ومشيت؟"
أبويا بصلي بعينين دافية:
"سكت عشان شوفتك نجحتي.. قلت المهم هي بخير. حتى لما عرفت إنك هتتجوزي عمر ابن طارق، قلبي اتعصر لأني عارف إنهم بياخدوكي صفقة عشان يضمنوا إنك ما تطالبيش بأي حق قديم من شركة أبوكي .. بس ما كنتش أقدر أتدخل."
وفجأة.. أبويا قام وقف، ومشي ناحية دولاب خشبي قديم في زاوية الأوضة. طلّع من بين الهدوم علبة صفيح صغيرة، وفتحها وطلع منها "فلاش ميموري" وورق أصفر قديم.
حطهم على الترابيزة وقال بصوت مكسور:
"أنا ما قعدتش السنين دي كلها ساكت يا سارة.. فيه محامي قديم و صاحب ابن حلال ساعدني أجمع تسجيلات وأوراق أصلية بتثبت إن التوقيعات على نقل الملكية كانت مزورة، وتفتيش الحسابات القديمة بيثبت إن طارق وأمك هم اللي حولوا الفلوس لحسابات سرية باسمهم قبل محاكمتي بيومين!"
مسكت الفلاش ميموري، وجسمي كله بيقشعر. بصيت لأبويا وقولت:
"طب ما قدمتش الورق ده للنيابة ليه يا بابا أول ما خرجت؟"
أبويا نزل رأسه للأرض، ونبرته اتملت بالكسرة والألم:
"ما قدمتوش عشانك يا بنتي.. الورق ده لو أتقدم، طارق هيتسجن.. وأمك كمان هتتسجن معاه بتهمة التزوير والمشاركة في الجريمة وشهادة الزور! أنا اتسجنت 15 سنة في ظلم، ومكنتش قادر أكون السبب إن أمك تتسجن وإنك تشوفي أمك ورا القضبان ... سكت عشان تعيشي عمرك كله مرفوعة الراس قدام الناس.. عشان كده فضلت ساكت ومتحمل الكسرة."
سكتّ ثواني.. دموعي نزلت، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف، كانت دموع حسم وقوة. أبويا الراجل الطيب المظلوم كان مستعد يضيع حقه وعمره كله عشان ما يجرحنيش و يصدمني في أمي الخاينة! بس لا ... بعد اللى سمعته النهاردة و خصوصا اللى شوفته بين امي و طارق فى الفندش مينفعش نسكت .
قربت من أبويا، ومسكت إيده بحزم وقوة وقولت له:
"لا يا بابا.. سكوتك ده هو اللي قواهم علينا. أمي هي اللي اختارت طريقها ورضيت بالخيانة والظلم، وهي اللي ساعدت في سجنك وتدمير حياتك وحياتي.. حَقك ولازم يرجع، وهم اللي بدأوا بالشر.. الليلة دي مش ليلة فرحي.. الليلة دي ليلة الحساب و رجوع الحقوق لصحابها !"
يتبع ......
هستنى رأيكم فى الكومنتات
لمتابعة القراءة

تعليقات
إرسال تعليق